المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿ما لا يضره﴾ يريد الأوثان، ومعنى ﴿يدعو﴾ يعبد، ويدعو أيضاً في ملماته، واختلف الناس في قوله تعالى :﴿يدعو لمن ضره﴾ فقالت فرقة من الكوفيين اللام مقدمة على موضعها وإنما التقدير «يدعو من لضره »، ويؤيد هذا التأويل أن عبد الله بن مسعود قرأ «يدعو من ضره » وقال الأخفش ﴿يدعو﴾ بمعنى يقول، و ﴿من﴾ مبتدأ و ﴿ضره﴾ مبتدأ، و ﴿أقرب﴾ خبره، والجملة صلة، وخبر ﴿من﴾ محذوف والتقدير يقول لمن ضره أقرب منه نفعه إله وشبه هذا، يقول عنترة :«يدعون عنتر والرماح كأنها (١) » ع وهذا القول فيه نظر فتأمل إفساده للمعنى إذ لم يعتقد الكافر قط أن ضر الأوثان أقرب من نفعها واعتذار أبي علي هنا مموه، وأيضاً فهو لا يشبه البيت الذي استشهد به(٢)، وقيل المعنى في ﴿يدعو﴾ يسمى، وهذا كالقول الذي قبله، إلا أن المحذوف آخراً مفعول تقديره إلهاً(٣)، وقال الزجاج يجوز أن يكون ﴿يدعو﴾ في موضع الحال وفيه هاء محذوفة والتقدير ذلك هوالضلال البعيد يدعو أو يدعوه، فيوقف على هذا(٤)، قال أبو علي ويحسن أن يكون ذلك بمعنى الذي، أي الذي هو الضلال البعيد ﴿يدعو﴾ فيكون قوله ذلك موصلاً بقوله ﴿ذلك هو الضلال البعيد﴾ ويكون ﴿يدعو﴾ عاملاً في قوله ﴿ذلك﴾ ع كون ﴿ذلك﴾ بمعنى الذي غير سهل(٥) وشبهه المهدوي بقوله تعالى :﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾(٦) [طه: ١٧] وقد يظهر في الآية أن يكون قوله ﴿يدعو﴾ متصلاً بما قبله، ويكون فيه معنى التوبيخ كأنه قال ﴿يدعو﴾ من لا يضر ولا ينفع.
١ هذا صدر بيت من المعلقة، والبيت بتمامه:
يدعون عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم
والأشطان: جمع شطن وهو حبل البئر، واللبان ـ بفتح اللام ـ: الصدر، والأدهم: الفرس، يقول: إن الرماح في صدر هذا الفرس بمنزلة حبال البئر من الدلاء، لأن البئر إذا كانت كثيرة الجرفة اضطربت الدلو فيها فيجعل لها حبلان حتى لا تضطرب..

٢ وعلى هذا الرأي يكون قوله تعالى: ﴿لبئس المولى﴾ مستأنفا لأنه لا يصح دخوله في الحكاية لأن الكفار لا يقولون عن أصنامهم: ﴿لبئس المولى﴾..
٣ وهذا لا يتم إلا بتقدير زيادة اللام، أي: "يدعو من ضره"..
٤ وقدر "يدعوه" مدعوا، ولهذا قيل: هذا الرأي ضعيف؛ لأن "يدعوه" لا يقدر "مدعوا"، إنما يقدر "داعيا"..
٥ وقال أبو حيان في البحر تعليقا على رأي أبي علي هذا: "وهو لا يصح إلا على قول الكوفيين؛ إذ يجيزون في اسم الإشارة أن يكون موصولا، والبصريون لا يجيزون ذلك إلا في "ذا" بشرط أن يتقدمها الاستفهام بـ (ما) أو (من)..
٦ الآية (١٧) من سورة (طه) ـ ووجه الشبه أن [تلك] في هذه الآية اسم إشارة بمعنى "الذي"، كأنه قال: ما الذي بيمينك؟ فرأي المهدوي يعود إلى ما ذكره أبو علي من أن [ذلك] في آيتنا بمعنى "الذي" وهي في محل نصب بوقوع [يدعو] عليه، ويكون قوله: ﴿لمن ضره﴾ كلام مستأنف..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى