المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
و ﴿حنفاء﴾، معناه مستقيمين أو مائلين إلى الحق بحسب أن لفظة الحنف من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل، و ﴿حنفاء﴾ نصب على الحال، وقال قوم ﴿حنفاء﴾ معناه حجاجاً ع وهذا تخصيص لا حجة معه، و ﴿غير مشركين﴾، ويجوز أن يكون حالاً أخرى، ويجوز أن يكون صفة لقول ﴿حنفاء﴾ ثم ضرب تعالى مثلاً للمشرك بالله أظهره في غاية السقوط ويحتمل الهول والانبتات من النجاة، بخلاف ما ضرب للمؤمن في قوله ﴿فمن كفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾(١) [البقرة: ٢٥٦] ومنه قول علي رضي الله عنه : إذا حدثتكم عن رسول الله فلأن أخر من السماء إلى الأرض أهون علي من أن أكذب عليه، الحديث. وقرأ نافع وحده «فتخطّفه الطير » بفتح الخاء وشد الطاء على حذف تاء التفعل وقرأ الباقون «فتخْطفه » بسكون الخاء وتخفيف الطاء، وقرأ الحسن فيما روي عنه «فَتِخِطَّفه » بكسر التاء والخاء وفتح الطاء مشددة، وقرأ أيضاً الحسن وأبو رجاء بفتح التاء وكسر الخاء والطاء وشدها، وقرأ الأعمش «من السماء تخطفه » بغير فاء وعلى نحو قراءة الجماعة وعطف المستقبل على الماضي لأنه بتقدير فهو تخطفه الطير، وقرأ أبو جعفر، «الرياح » و «السحيق » البعيد ومنه قولهم أسحقه الله ومنه قوله عليه السلام «فسحقاً فسحقاً »(٢) ومنه نخلة سحوق للبعيدة في السماء.
١ من الآية (٢٥٦) من سورة (البقرة)..
٢ أخرجه البخاري في الرقاق والفتن، ومسلم في الطهارة والفضائل والزهد، وابن ماجه في الزهد، ومالك في الزهد، وأحمد (٢ ـ ٣٠٠، ٣ ـ ٢٨، ٥ ـ ٣٣٣)، ولفظه فيه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه أتى المقبرة فسلم على أهل المقبرة فقال: (سلام عليكم قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ثم قال: وددت أنا قد رأينا إخواننا، قال: فقالوا: يا رسول الله ألسنا بإخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض، قالوا: يا رسول الله كيف تعرف من لم يأت من أمتك بعد؟ قال: أرأيت لو أن رجلا كان له خيل غير محجلة بين ظهراني خيل بهم دهم ألم يكن يعرفها؟ قالوا: بلى، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ثم قال: ألا ليذادن رجال منكم عن حوضي كما يزاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم، فيقال: إنهم بدلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا)، وفي رواية البخاري: (فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي). قال ابن الأثير في كتاب (النهاية في غريب الحديث والأثر): "أنا فرطكم على الحوض، أي: متقدمكم إليه، يقال: فرط يفرط فهو فارط وفرط إذا تقدم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء، ويهيئ لهم الدلاء والأرشية"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى