البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
﴿وأصحابُ مدينَ﴾ شعيبًا، ﴿وكُذِّب موسى﴾ ؛ كذَّبه فرعونُ والقبط. ولم يقل : وقوم موسى ؛ لأن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه القبطُ. أو : كأنه لمَّا ذكر تكذيب كلُّ قوم رسولهم، قال : وكُذِّب موسى، مع وضوح آياته وظهور معجزاته، فما ظنك بغيره ؟ ﴿فأمليتُ للكافرين﴾ : أمهلتهم وأخرت عقوبتهم، ﴿ثم أخذتُهم﴾ : عَاقَبْتُهم على كفرهم، أي : أخذت كل فريق من فِرَقِ المكذبين، بعد انقضاء مدة إملائه وإمهاله، ﴿فكيف كان نكير﴾ أي : إنكاري وتغييري ؛ حيث أبدلتهم بالنعم نقمًا، وبالحياة هلاكًا، وبالعمارة خرابًا، فكان ذلك في غاية ما يكون من الهول والفظاعة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : ما سلّى به الرسل -عليهم السلام- تسلى به الأولياء -رضوان الله عليهم- فتكذيب أهل الخصوصية سُنَّة ماضية، غير أن مُكذبي الرسل يُعاجَلون بالعقوبة، ومكذبي الأولياء يعاقبون بالبعد والحجاب. وقال القشيري :﴿وبئر معطلة﴾، الإشارة إلى العيون المفجرة من بواطنهم، ﴿وقصر مشيد﴾ ؛ الإشارة إلى تعطيل أسرارهم عن ساكنيها، من الهيبة والأنس وسائر المواجيد. هـ. قلت : وكأنه فسر القرية بالقلب، وهلاكه : خلاؤه من نور التوحيد، فقلوب الغافلين خاوية على عروش عقولهم، المطموس نورها، وعيون بواطنهم معطلة من الفكرة، وأسرارهم خاربة من نور النظرة. والله تعالى أعلم.