الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ﴾ : قرأ العامَّةُ " كُتِبَ " مبنياً للمفعولِ وفتحَ " أنَّ " في الموضعين. وفي ذلك وجهان، أحدُهما : أنَّ الضميرَ وما في حَيِّزه في محلِّ رفعٍ لقيامِه مقامَ الفاعل. فالهاءُ في " عليه " وفي " أنه " يعودان على " مَنْ " المتقدمةِ. و " مَنْ " الثانية يجوز أن تكونَ شرطيةً والفاءُ جوابُها، وأن تكونَ موصولةً، والفاءُ زائدةٌ في الخبرِ لشَبَهِ المبتدأ بالشرط. وفُتِحَتْ " أنَّ " الثانيةُ لأنها وما في حَيِّزها في محلِّ رفعٍ خبراً لمبتدأ محذوفٍ، تقديره : فشأنهُ وحالُه أنه يُضِلُّه. أو يُقَدَّر " فَأَنَّه " مبتدأ، والخبر محذوفٌ أي : فله أنَّه يَضِلُّه.
الثاني : قال الزمخشري :" ومَنْ فَتَحَ فلأنَّ الأولَ فاعلُ " كُتِب "، والثاني عَطْفٌ عليه ". قال الشيخ :" وهذا لا يجوزُ ؛ لأنَّك إذا جَعَلْتَ " فأنَّه " عطفاً على " أنَّه " بقيت " أنَّه " بلا استيفاءِ خبرٍ، لأنَّ " مَنْ تَوَلاَّه " " مَنْ " فيه مبتدأةٌ. فإنْ قَدَّرْتَها موصولةً فلا خبرَ لها حتى تَسْتقلَّ خبراً ل " أنه ". وإنْ جَعَلْتَها شرطيةً فلا جوابَ لها ؛ إذ جُعِلَتْ " فأنَّه " عَطْفاً على " أنه ".
قلت : وقد ذَهبَ ابنُ عطية رحمه الله إلى مثلِ قولِ الزمخشري فإنه قال :" وأنَّه " في موضعِ رفعٍ على المفعولِ الذي : لم يُسَمَّ فاعلُه و " أنَّه " الثانيةُ عطفٌ على الأولى مؤكدةً مثلَها ". وهذا رَدٌّ واضحٌ.
وقُرِىء " كَتَبَ " مبنياً للفاعلِ أي : كَتَبَ اللهُ. ف " أنَّ " وما في حَيِّزها في محل نصب على المفعول به، وباقي الآية على ما تقدم.
وقرأ الأعمش والجعفي عن أبي عمرو " إنه " " فإنه " بكسرِ الهمزتين. وقال ابن عطية :" وقرأ أبو عمروٍ " إنَّه " " فإنه " بالكسر فيهما "، وهذا يُوْهم أنَّه مشهورٌ عنه وليس كذلك. وفي تخريجِ هذه القراءةِ/ ثلاثةُ أوجهٍ ذكرها الزمخشري وهي : أَنْ تكونَ على حكايةِ المكتوبِ كما هو، كأنه قيل : كُتِب عليه هذا اللفظُ، كما تقول : كُتِبَ عليه : إنَّ الله هو الغني الحميد. الثاني أن يكونَ على إضمار " قيل ". الثالث : أنَّ " كُتِبَ " فيه معنى قيل. قال الشيخ : أمَّا تقديرُ " قيل " يعني فيكون " عليه " في موضعِ مفعولِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه و " أنه مَنْ تولاَّه " الجملةُ مفعولٌ لم يُسَمَّ ل قيل المضمرة. وهذا ليس مذهبَ البصريين فإن الجملة عندهم لا تكون فاعلاً ولا تكون مفعولَ ما لم يُسَمَّ فاعلُه " وكأنَّ الشيخَ قد اختارَ ما بدأ به الزمخشريُّ أولاً، وفيه ما فَرَّ منه : وهو أنه أسندَ الفعلَ إلى الجملةِ فاللازمُ مُشْتَرَكٌ.
وقد تقدَّم تقريرُ مثلِ هذا في أولِ البقرة. ثم قال :" وأمَّا الثاني يعني أنه ضُمِّنَ " كُتِب " معنى القول فليس مذهبَ البصريين لأنَّه لا تُكْسَرُ " إنَّ " عندهم إلاَّ بعد القول الصريح لا ما هو بمعناه ".
والضميران في " عليه " و " أنه " عائدان على " مَنْ " الأولى كما تقدَّم، وكذلك الضمائرُ في " تَوَلاَّه " و " فأنه "، والمرفوعُ في " يُضِلُّه " و " يَهْديه " ؛ لأنَّ " مَنْ " الأول هو المحدَّثُ عنه. والضميرُ المرفوعُ في " تَوَلاَّه " والمنصوبُ في " يُضِِلُُّه " و " يَهْدِيه " عائدٌ على " مَنْ " الثانيةِ. وقيل : الضميرُ في " عليه " لكلِّ شيطانٍ. والضميرُ في " فأنَّه " للشأن. وقال ابن عطية :" الذي يَظْهَرُ لي أنَّ الضميرَ الأولَ في " أنَّه " يعودُ على كل شيطان، وفي " فأنَّه " يعودُ على " مَنْ " الذي هو المُتَوَلِّي ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى