فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
أفرد سبحانه المهاجرين بالذكر تخصيصاً لهم بمزيد الشرف، فقال :﴿والذين هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ الله﴾ قال بعض المفسرين : هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة. وقال بعضهم : الذين هاجروا من الأوطان في سرية أو عسكر، ولا يبعد حمل ذلك على الأمرين، والكلّ من سبيل الله ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ أي في حال المهاجرة، واللام في ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله رِزْقاً حَسَناً﴾ جواب قسم محذوف، والجملة خبر الموصول بتقدير القول، وانتصاب ﴿رزقاً﴾ على أنه مفعول ثانٍ، أي : مرزوقاً حسناً، أو على أنه مصدر مؤكدة، والرزق الحسن هو نعيم الجنة الذي لا ينقطع وقيل هو الغنيمة لأنه حلال. وقيل : هو العلم والفهم كقول شعيب :﴿وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [هود: ٨٨]. قرأ ابن عامر وأهل الشام :«ثم قتلوا » بالتشديد على التكثير، وقرأ الباقون بالتخفيف ﴿وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ فإنه سبحانه يرزق بغير حساب، وكل رزق يجري على يد العباد لبعضهم البعض، فهو منه سبحانه، لا رازق سواه ولا معطي غيره، والجملة تذييل مقرّرة لما قبلها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن سلمان الفارسي : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«من مات مرابطاً أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق وأمن من الفتانين، واقرؤوا إن شئتم ﴿والذين هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ إلى قوله :﴿حَلِيمٌ﴾ ). وإسناد ابن أبي حاتم هكذا : حدّثنا المسيب بن واضح، حدّثنا ابن المبارك عن عبد الرحمن بن شريح عن عبد الكريم بن الحارث عن أبي عقبة، يعني : أبا عبيدة بن عقبة قال : قال شرحبيل بن السمط : طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم، فمرّ بي سلمان : يعني : الفارسي قال : سمعت رسول الله ﷺ فذكره. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيد الأنصاري الصحابي أنه كان برودس، فمرّوا بجنازتين أحدهما قتيل والآخر متوفى، فمال الناس عن القتيل، فقال فضالة : مالي أرى الناس مالوا مع هذا وتركوا هذا ؟ فقالوا : هذا القتيل في سبيل الله، فقال : والله ما أبالي من أيّ حفرتيهما بعثت اسمعوا كتاب الله ﴿والذين هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ الآية. وإسناده عند ابن أبي حاتم هكذا : حدّثنا أبو زرعة عن زيد بن بشر أخبرني ضمام ؛ أنه سمع أبا قبيل وربيعة بن سيف المغافري يقولان : كنا برودس ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ فذكره. قلت : ويؤيد هذا قول الله سبحانه :﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله﴾ [النساء: ١٠٠]. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله :﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ قال : إن النبيّ بعث سرية في ليلتين بقيتا من المحرم فلقوا المشركين، فقال المشركون بعضهم لبعض : قاتلوا أصحاب محمد فإنهم يحرمون القتال في الشهر الحرام، وإن أصحاب محمد ناشدوهم وذكروهم بالله أن يعرضوا لقتالهم فإنهم لا يستحلون القتال في الشهر الحرام إلا من بادأهم، وإن المشركين بدأوا فقاتلوهم، فاستحلّ الصحابة قتالهم عند ذلك فقاتلوهم ونصرهم الله عليهم. وهو مرسل. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله :﴿وَمَنْ عَاقَبَ﴾ الآية قال : تعاون المشركون على النبي ﷺ وأصحابه فأخرجوه، فوعده الله أن ينصره، وهو في القصاص أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿وَأن مَا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الباطل﴾ قال : الشيطان. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله :﴿إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ﴾ قال : يعدّ المصيبات وينسي النعم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى