تيسير التفسير — إبراهيم القطان

عن الكتاب
المنسك: موضع العبادة، والشريعة والمنهاج. ناسكون: عابدون فيه، ملتزمون به. والناسك: العابد، والنسك العبادة.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾
ألا تنظرُ أيها العاقل إلى مظاهر قدرة الله، كيف يسرَّ للناس جميعا الانتفاعَ بالأرض وما فيها، وهيّأ لهم البحرَ تجري فيه السفنُ بمشيئته، وسيّرَ هذه الأجرامَ السماوية بنظام محكَم لا يختل، وامسك كل ما في السماء ان تقع على الأرض، وذلك بقدرته!!
لقد تجلَّتْ مشيئة الله ورأفته بالعباد بان هيّأ غلافاً جوياً يحتوي على العناصر الغازية التي لا غنى للحياة عنها، كما يحمي سكانَ الأرض من الإشعاعات الكونية وأسرابِ الشهب والنيازك التي تَهيم في الفضاء، وتتساقط. وعندما تدنو من الارض تحترق في جوّها العلوي قبل ان تصل الى سطح الأرض.
ومن رحمته تعالى بنا أن سقوط النيازك الكبير التي تدمر سطح الأرض نادرُ الحدوث جداً، وهو يتم في الأماكن الخالية من السكان، وفي هذا تأييدٌ وتصديق لقوله تعالى:
﴿وَيُمْسِكُ السماء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
كَم في هذا الكون وهذه الارض من قوة؛ وكم من ثروة سخّرها الله لهذا الإنسان؟ والإنسانُ غافل عن قدرة الله ونعمه التي لا تحصى.
﴿وَهُوَ الذي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾
وهو الذي أنعم عليكم بهذه الحياة بعد أن كنتم تراباً، ثم يُميتكم حين تنقضي آجالكم، ثم يحييكم يومَ القيامة للحساب والجزاء، فيلقى كلٌّ حسابه.
ثم بيّن طبيعة الانسان التي فَطِرَ عليها بقوله: ﴿إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ﴾ أي أن الانسان مع كل هذه الدلائل والنعم يظل شديد الجحود بالله وبعمه عليه.
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾
لقد جعلنا لأهل كل دين من الأديان شريعةً خاصة يعملون بها، ومنهجاً يسيرون عليه ويعبدون الله به، فلا ينبغي للمشركين من قومك أن ينازعوك في أمر هذا الدين... فاثُبتْ أيها الرسول على دِينك، ولا تلتف لمجادلتهم واستمرَّ في الدعوة الى ربِّك كما أمرك. إنك تسير على هدى من ربكم مستقيم، وشريعة توصل الى السعادة.
﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
وإن أصرّ هؤلاء المشركون على المجادلة، فأعرض عنهم وقل لهم: اللهُ أعلم بأعمالكم: إن الجدل يجدي مع القلوب المستعدّة للهدى، لا مع القلوب التي تصر على الضلال، فلا ضرورة إضاعة الوقت والجهد معهم.
﴿الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
دعْهُم في غيّهم يا محمد، فقد انْذرتَ، وقل له: الله هو الذي يحكم بين الناس جميعاً يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. وعندها يتبين المحقّ من المبطِل، فيثيب المهتدي، ويعاقب المضليّن.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السمآء والأرض إِنَّ ذلك فِي كِتَابٍ إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ﴾.
ألم تعلم أيها الرسول ان الله يحكم بعلمٍ كامل، وهو محيطٌ بكل ما بكل ما في السماء والأرض، لا يندُّ عنه سبب، ولا تخفى عليه خافية في العمل والشعور.... كلّ ذلك ثابتٌ عنده في لوحٍ محفوظ، واثباتُه وحفظه يسيرٌ عليه كل اليسر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى