الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي

عن الكتاب
أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت :«كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم ونخلهم في ناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإِبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة يعني السلاح، فأنزل الله فيهم ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ إلى قوله :﴿لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا﴾ فقاتلهم النبي ﷺ حتى صالحهم على الجلاء وأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب ذلك عليهم، ولولا ذلك لعذبهم الله في الدنيا بالقتل والسبي، وأما قوله :﴿لأول الحشر﴾ فكان جلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام ».
وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن عروة مرسلاً قال البيهقي : وهو المحفوظ.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال :«لم أجلى رسول الله ﷺ بني النضير قال :«هذا أوّل الحشر وأنا على الأثر ».
وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال : من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية :﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾، قال لهم رسول الله ﷺ يومئذ : اخرجوا، قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى أرض المحشر.
وأخرج أحمد في الزهد عن قيس قال : قال جرير لقومه فيما يعظهم : والله إني لوددت أني لم أكن بنيت فيها لبنة ما أنتم إلا كالنعامة استترت، وإن أرضكم هذه خراب يسراها ثم يتبعها يمناها، وإن المحشر ههنا، وأشار إلى الشام.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله :﴿لأول الحشر﴾ قال : فتح الله على نبيه في أول حشر حشر عليهم في أول ما قاتلهم، وفي قوله :﴿ما ظننتم﴾ النبي ﷺ وأصحابه أن يخرجوا من حصونهم أبداً.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة قال :«أمر الله رسوله بإجلاء بني النضير، وإخراجهم من ديارهم، وقد كان النفاق كثيراً بالمدينة فقالوا : أين تخرجنا ؟ قال : أخرجكم إلى المحشر، فلما سمع المنافقون ما يراد بإخوانهم وأوليائهم من أهل الكتاب أرسلوا إليهم فقالوا : إنا معكم محيانا ومماتنا، إن قوتلتم فلكم علينا النصر، وإن أخرجتم لا نتخلف عنكم، ومناهم الشيطان الظهور فنادوا النبي ﷺ : إنا والله لا نخرج، ولئن قاتلتنا لنقاتلنك، فمضى النبي ﷺ فيهم لأمر الله وأمر أصحابه، فأخذوا السلاح ثم مضى إليهم، وتحصنت اليهود في دورهم وحصونهم، فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى أزقتهم أمر بالأدنى من دورهم أن يهدم، وبالنخل أن يحرق ويقطع، وكفّ الله أيديهم وأيدي المنافقين فلم ينصروهم وألقى الله في قلوب الفريقين الرعب، ثم جعلت اليهود كلما خلص رسول الله ﷺ من هدم ما يلي مدينتهم ألقى الله في قلوبهم الرعب فهدموا الدور التي هم فيها من أدبارها ولم يستطيعوا أن يخرجوا على النبي ﷺ، فلما كادوا أن يبلغوا آخر دورهم وهم ينتظرون المنافقين وما كانوا منوهم، فلما يئسوا مما عندهم سألوا رسول الله ﷺ الذي كان عرض عليهم قبل ذلك، فقاضاهم على أن يجليهم ولهم أن يتحملوا بما استقلت به الإِبل، من الذي كان لهم إلا ما كان من حلقة السلاح، فذهبوا كل مذهب، وكانوا قد عيروا المسلمين حين هدموا الدور وقطعوا النخل، فقالوا : ما ذنب شجرة وأنتم تزعمون أنكم مصلحون، فأنزل الله ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ إلى قوله :﴿وليخزي الفاسقين﴾ ثم جعلها نفلاً لرسول الله ﷺ، ولم يجعل منها سهماً لأحد غيره، فقال :﴿وما أفاء الله على رسوله منهم﴾ إلى قوله :﴿قدير﴾ فقسمها رسول الله ﷺ فيمن أراه الله من المهاجرين الأوّلين ».
وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق العوفي عن ابن عباس قال : كان النبي ﷺ قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ فأعطوه ما أراد منهم فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم، وأن يسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيراً وسقاء.
وأخرج البغوي في معجمه عن محمد بن مسلمة أن النبي ﷺ بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثاً.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ حرق نخل بني النضير، والجلاء، إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ حرق نخل بني النضير وقطع وهي البويرة ولها يقول حسان بن ثابت :
فهان على سراة بني لؤيّحريق بالبويرة مستطير
فأنزل الله ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين﴾.
وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قول الله :﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها﴾ قال : اللينة النخلة ﴿وليخزي الفاسقين﴾ قال : استنزلوهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل، فحاك في صدورهم فقال المسلمون : قد قطعنا بعضاً وتركنا بعضاً فلنسألن رسول الله ﷺ هل لنا فيما قطعنا من أجر وهل علينا فيما تركنا من وزر، فأنزل الله ﴿ما قطعتم من لينة﴾ الآية.
وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن جابر قال : رخص لهم في قطع النخل، ثم شدد عليهم فقالوا : يا رسول الله علينا إثم فيما قطعنا أو فيما تركنا من وزر، فأنزل الله ﴿ما قطعتم من لينة﴾ الآية.
وأخرج ابن إسحاق عن يزيد بن رومان قال : لما نزل رسول الله ﷺ ببني النضير تحصنوا منه في الحصون فأمر بقطع النخل والتحريق فيها فنادوه يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه فما بال قطع النخل وتحريقها ؟ فنزلت ﴿ما قطعتم من لينة. . . .﴾.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال :«نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقالوا : إنما هي من مغانم المسلمين، وقال الذين قطعوا : بل هي غيظ للعدوّ فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإِثم، فقال : إنما قطعه وتركه بإذن الله.
وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن ابن عباس أن سورة الحشر نزلت في النضير، وذكر الله فيها الذي أصابهم من النعمة وتسليط رسول الله ﷺ عليهم حتى عمل بهم الذي عمل بإذنه، وذكر المنافقين الذين كانوا يراسلونهم ويعدونهم النصر فقال :﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأوّل الحشر﴾ إلى قوله :﴿وأيدي المؤمنين﴾ من هدمهم بيوتهم من تحت الأبواب ثم ذكر قطع رسول الله ﷺ النخل وقول اليهود له يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد فما بال قطع النخل ؟ فقال :﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين﴾ يخبرهم أنها نعمة منه، ثم ذكر مغانم بني النضير فقال :﴿وما أفاء الله على رسوله منهم﴾ إلى قوله :﴿قدير﴾ أعلمهم أنها لرسول الله ﷺ يضعها حيث يشاء، ثم ذكر مغانم المسلمين مما يوجف عليه الخيل والركاب ويفتح بالحرب فقال :﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾، فذا مما يوجف عليه الخيل والركاب، ثم ذكر المنافقين عبد الله بن أبيّ بن سلول ومالكاً وداعساً ومن كان على مثل رأيهم فقال :﴿ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإِخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أُخْرِجْتُمْ لنخرجن معكم﴾ إلى ﴿كمثل الذين من قبلهم قريباً﴾ يعني بني قينقاع الذين أجلاهم رسول الله ﷺ.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله :﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾ قبل الشام وهم بنو النضير حي من اليهود أجلاهم نبي الله ﷺ من المدينة إلى خيبر مرجعه من أحد.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله :﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم﴾ قال : النضير إلى قوله :﴿وليخزي الفاسقين﴾ قال : ذلك ما بين ذلك كله.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال : من شك أن المحشر إلى بيت القدس فليقرأ هذه الآية ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾ فقد حشر الناس مرة وذلك حين ظهر النبي ﷺ على المدينة أجلى اليهود.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أبيّ بن سلول ومن كان يعبد الأوثان معه من الأوس والخزرج، ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر يقولون : إنكم قد آويتم صاحبنا وإنكم أكثر أهل المدينة عدداً، وإنا نقسم بالله لنقاتلنه أو لنخرجنه ولنستعدين عليكم العرب، ثم لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم وأبناءكم، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبيّ ومن معه من عبدة الأوثان تراسلوا واجتمعوا وأجمعوا لقتال النبي ﷺ وأصحابه، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم في جماعة من أصحابه، فقال :«لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، فأنتم هؤلاء تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم، فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا فبلغ ذلك كفار قريش، وكانت وقعة بدر بعد ذلك فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود : إنكم أهل الحلقة والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء، وهي الخلاخيل. فلما بلغ كتابهم اليهود اجتمعت بنو النضير بالغد وأرسلوا إلى النبي ﷺ أن اخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك وليخرج إليك منا ثلاثون حبراً حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك، ويسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا. فخرج النبي ﷺ في ثلاثين من أصحابه وخرج إليه ثلاثون حبراً من اليهود حتى إذا برزوا في براز من الأرض قال بعض اليهود لبعض : كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلاً من أصحابه كلهم يحب أن يموت قبله ؟ فأرسلوا : كيف نفهم ونحن ستون رجلاً ؟ أخرج في ثلاثة من أصحابك ونخرج إليك في ثلاثة من علمائنا فيسمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنا كلنا وصدقناك فخرج النبي ﷺ في ثلاثة من أصحابه وخرج ثلاثة من اليهود واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله ﷺ، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار، فأخبرته خبر ما أراد بنو النضر من الغدر برسول الله ﷺ، فأقبل أخوها سريعاً حتى أدرك النبي صلى الله علي

تفسير هذه الآية من كتب أخرى