التفسير المظهري — المظهري
عن الكتاب
في الصحيحين عن سعيد ابن جبير قال قلت لابن عباس رضي الله عنه سورة الحشر قال قل سورة النضير(١)، وأخرج البخاري عنه أن سورة الأنفال نزلت في بدر وسورة الحشر نزلت في بني النضير.
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( ١ ) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، بيان للموصول يعني بني النضير كانوا من أولاد هارون عليه السلام ﴿من ديارهم﴾ التي كانت لهم بالمدينة قال ابن إسحاق : كان إجلاء بني النضير عند مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد وفتح قريظة عند مرجعه عن الأحزاب وبينهما سنتان. وسبب إخراجهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة صالح بنو النضير على أن لا تقاتلوه ولا تقاتلوهن معه فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا أو ظهر على المشركين قالت بنو النضير والله إنه النبي الذي وجدنا نعته في التوراة لا ترد له راية، فلما غزا أحد وانهزم المسلمون إرتابوا وأظهروا العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركب كعب ابن الأشرف من بني النضير في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة فأتوا قريشا فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد ودخل أبو سفيان في أربعين من قريش وكعب في أربعين من اليهود المسجد وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار والكعبة، ثم رجع وأصحابه إلى المدينة فنزل جبرائيل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل كعب ابن الأشرف فقتله محمد ابن مسلم ذكرنا قصة قتله في سورة آل عمران في قوله تعالى :﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا﴾ (٢)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم اطلع منهم على خيانات منها أنهم أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسيلم أن أخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حبرا حتى نلتقي من مكان نصف بيننا وبينك فسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك كنا فلما كان الغد غدا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبرا من يهود حتى إذا برزوا في براز من الأرض قال بعضهم لبعض كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلا من أصحابه كلهم يحب أن يموت قبله فأرسلوا إليه كيف نفهم ونحن ستون رجلا أخرج في ثلاثة من أصحابك ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا فيسمعون منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه وخرجت ثلاثة من اليهود واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته ما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أخوها سريعا حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فساره بخبرهم قبل أن يصل إليهم فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، روى القصة أبو داود والبيهقي وعبد ابن حميد وعبد الرزاق بإسناد صحيح وذكروا حديثا طويلا وفيه أن بني النضير فعلوا ذلك الغدر حين كتب إليهم قريش بعد وقعة بدر أنكم أهل الحلقة والحصون وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لتفعلن كذا، وذكر البغوي هذه القصة وقال بعد ذلك فلما كان الغد غدا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتاب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، ومن خياناتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاهم يستعين في دية الرجلين اللذين قتلهما عمرو ابن أمية الضميري في منصرفه من بئر معونة فهمت اليهود أن يطرحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرا من فوق الحصن فعصمه الله تعالى وأخبره به، ذكرنا القصة في سورة المائدة في تفسير قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾(٣) الآية، ذكر ابن حميد عن عكرمة أن الله سبحانه لما أخبر نبيه بذلك ورجع نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قال لهم كنانة ابن صوريا هل تدرون لم قام محمد قالوا لا والله ما ندري وما تدري أنت، ( قال بلى والتوراة إني لأدري قد أخبر محمد بما هممتم به من الغدر فلا تخدعوا أنفسكم والله إنه رسول الله وما قام إلا أنه أخبر بما هممتم وأنه لآخر الأنبياء وكنتم تطمعون أن يكون من بني هارون فجعله الله حيث شاء وإن كتبنا والذي درسنا في التوراة التي لم تغيروا لم تبدل أن مولده بمكة وأن دار هجرته يثرب وصفته بعينها ما يخالف حرفاهما في كتابنا ولكني أنظر إليكم طاعنين يتضاعى صبيانكم قد تركتم دوركم خلوفا أموالكم وإنما هي شرفكم فأطيعوني في خصلتين والثلاثة لا خير فيها، قال ما هما قال : تسلمون وتدخلون مع محمد فتأمنوا على أموالكم وأولادكم وتكونوا على ما عليه أصحابه ويبقى بأيديكم أموالكم ولا تخرجون من دياركم قالوا لا نفارق التوراة وعهد موسى، قال فإنه مرسل إليكم أخرجوا من بلدي فقولوا نعم دما ولا مالا ويبقى أموالكم إن شئتم بعتم وإن شئتم أمسكتم، قالوا أما هذه فنعم، قال سلام ابن مشكم قد كنت لما صنعتم كارها وهو مرسل إلينا أن أخرجوا من داري فلا تعقب ما في كلامه وأنعم له بالخروج من بلده فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أرسل إلى محمد ابن مسلمة، فلما جاء قال اذهب إلى يهود بني النضير فقل لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلدي، فلما جاءهم قال إن رسول الله صلى عليه وسلم أرسله برسالة ولست أذكرها لكم حتى أعرفكم بشيء تعرفونه، فقالوا ما هو فقال أنشدكم بالتوراة التي أنزل على موسى هل تعلمون أني جئتكم قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم وبينكم التوراة فقلتم لي في مجالسكم هنا يا ابن المسلم إن شئت أن نعذبك عذبناك وإن شئت أن نهودك هودناك فقلت بل عذبوني ولا تهودوني فإني والله ما أتهود أبدا فعذبتموني في صفحة لكم والله لكأني أنظر إليها كأنها خدعة فقلتم لي ما يمنعك من ديننا إلا أنه دين يهود كأنك تريد الحنيفة التي سمعت بها أما أن أبا عامر الراهب ليس بصاحبها بل صاحبها الضحوك القتال في عينيه حمرة ويأتي من قبل اليمن يركب البعير ويلبس الشملة وتجزى بالكسرة وسيفه على عاتقه ينطق بالحكمة كأنه سن حيكم هذه والله ليكونن بقريتكم هذه سلب وقتل مثل قالوا اللهم نعم قد قلنا وليس له فاقد، فقلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليكم أنكم قد نقضتم الذي جعلت لكم ما هممتم به من الغدر بي وأخبرهم بما كانوا هموا به وظهور عمرو ابن جحاش على البيت ليطرح عليه الصخرة، ويقول أخرجوا من بلدي وقد أجلكم عشرا فمن رأى بعد ذلك ضربت عنقه فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون وأرسلوا إلى ظهرهم بالحد فبيناهم على ذلك إذا جاءهم رسول عبد الله ابن أبي سلول سويد وأعسر قليلا يقول عبد الله ابن أبي لا تخرجوا من دياركم وأموالكم وأقيموا مع حصونكم فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون من آخرهم قبل أن يوصل إليكم ويمدكم قريظة فإنهم لم يخذلوكم يمدكم حلفائكم من غطفان، وأرسل ابن أبي كعب ابن أسد القرظي يكلمه أن يمده أصحابه، فقال لا ينقض رجل واحد العهد فيئس ابن أبي أخطب بن قريظة وأراد أن يلحم الأمر فيما بين النضير ورسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يرسل إلى حيي ابن أخطب، فقال حيي أنا أرسل إلى محمد أعلمه أن لا يخرج من ديارنا فليصنع ما بدا له وطمع حيي فيما قال ابن أبي، فقال له سلام ابن مشكم لولا أن يسفه رأيك لأعتزلتك بمن أطاعني من يهود فلا تفعل يا حيي، فوالله إنك لتعلم ونعلم من معك أنه لرسول الله وإن صفته عندنا وإنما لم نتبعه لأنا حسدناه حيث خرج النبوة من بني هارون فلتقبل ما أعطانا من الأمر وتخرج من بلاده وقد عرفت أنك حالفتني في الغدر به فإذا كان أوان التمر جئنا أو جائنا إلى تمرة أو صنع ما بدا له ثم انصرف إلينا فلم يقبل حيي قوله، وأرسل حيي أخاه جدي ابن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له : إنا لا نبرح من ديارنا وأموالنا فاصنع ما أنت صانع وأمره أن يأتي ابن أبي فيخبره برسالته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمره أن يعمل ما وعده من النضير فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة قول جدي ابن أخطب أظهر التكبير وكبر المسلمون لتكبيره وقال حاربت يهود، ثم دخل جدي على ابن أبي وهو في بيته ومعه نفر من جلسائه وقد نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالسير إلى بني النضير، فدخل عبد الله ابن عبد الله ابن أبي على ابنه وعلى النفر الذين معه وعنده جدي ابن أخطب فلبس درعه وأخذ سيفه وخرج بعد فجاء جدي إلى حيي فقال ما وراءك، قال الشر ساعة أخبرت محمد ما أرسلت به أظهر التكبير وقال حاربت يهود، قال وجئت ابن أبي فلم أر عنده خبرا قال أنا أرسل إلى حلفاء من غطفان فيدخلون معكم فسار النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بفناء النضير فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا على جدر حصونهم يرمون بالنبل والحجارة واعتزلهم بنو قريظة فلم يعينوهم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء رجع إلى بيته في عشرة من أصحابه استعمل على العسكر عليا ويقال أبا بكر وبات المسلمون يحاصرونهم حتى أصبحوا، ثم أذن بلال فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه الذين كانوا معه فصلى بالناس في قضاء بني حطم فأرسل حيي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن نعطيك الذي سألت ونخرج من بلادك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أقبله اليوم ولكن اخرجوا منها ولكن ما حملت الإبل إلا الحلقة فقال سلام ابن مشكم وأقبل ويحكم قبل أن تقبل شرا من ذلك، قال حيي ما يكون شرا من هذا قال يسبي الذرية ويقتل القاتل مع الأموال والأموال أهون علينا، فأبى حيي أن يقبل يوما أو يومين، فلما رأى ذلك يامين ابن عمير وأبو سعيه ابن وهب قال أحدهما لصاحبه والله إنك لتعلم أنه رسول الله فما تنظر أن نسلم فنأمن على دمائنا وأموالنا فنزلا من الليل فأسلما وحرز أموالهما ودمائهما، وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول محمد ابن عمر ابن سعد والبلاذري وأبو معشر وابن حبان خمسة عشر يوما، وقال ابن إسحاق وأبو عمرو ست ليال، وقال سليمان التيمي قريبا من عشرين ليلة، وقال ابن الطلاع ثلاث وعشرين ليلة، وعن عائشة خمسة وعشرين وكانوا في حصارهم يخربون بيوتهم بأيديهم مما يليهم، وكان المسلمون يخربون بأيديهم ويحرقون حتى وقع الصلح ونزلت اليهود على أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة، وجعل ما بين الرجل من قيس عشرة دنانير ويقال خمسة أوسق من تمر حتى قتل عمروا ابن جحاش غيلة، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بنو النضير إنا لنا ديونا على الناس فال عليه السلام تعجلوا فكان لأبي رافع على أسيد ابن حضير عشرين ومائة دينار إلى سنة فصالحه على ثمانين، فخرجت بنو النضير حملوا النساء والذرية وما استقلت به الإبل من الأمتعة فكان الرجل يهدم بيته عن إيجاف باب
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( ١ ) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، بيان للموصول يعني بني النضير كانوا من أولاد هارون عليه السلام ﴿من ديارهم﴾ التي كانت لهم بالمدينة قال ابن إسحاق : كان إجلاء بني النضير عند مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد وفتح قريظة عند مرجعه عن الأحزاب وبينهما سنتان. وسبب إخراجهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة صالح بنو النضير على أن لا تقاتلوه ولا تقاتلوهن معه فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا أو ظهر على المشركين قالت بنو النضير والله إنه النبي الذي وجدنا نعته في التوراة لا ترد له راية، فلما غزا أحد وانهزم المسلمون إرتابوا وأظهروا العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركب كعب ابن الأشرف من بني النضير في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة فأتوا قريشا فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد ودخل أبو سفيان في أربعين من قريش وكعب في أربعين من اليهود المسجد وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار والكعبة، ثم رجع وأصحابه إلى المدينة فنزل جبرائيل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل كعب ابن الأشرف فقتله محمد ابن مسلم ذكرنا قصة قتله في سورة آل عمران في قوله تعالى :﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا﴾ (٢)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم اطلع منهم على خيانات منها أنهم أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسيلم أن أخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حبرا حتى نلتقي من مكان نصف بيننا وبينك فسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك كنا فلما كان الغد غدا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبرا من يهود حتى إذا برزوا في براز من الأرض قال بعضهم لبعض كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلا من أصحابه كلهم يحب أن يموت قبله فأرسلوا إليه كيف نفهم ونحن ستون رجلا أخرج في ثلاثة من أصحابك ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا فيسمعون منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه وخرجت ثلاثة من اليهود واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته ما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أخوها سريعا حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فساره بخبرهم قبل أن يصل إليهم فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، روى القصة أبو داود والبيهقي وعبد ابن حميد وعبد الرزاق بإسناد صحيح وذكروا حديثا طويلا وفيه أن بني النضير فعلوا ذلك الغدر حين كتب إليهم قريش بعد وقعة بدر أنكم أهل الحلقة والحصون وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لتفعلن كذا، وذكر البغوي هذه القصة وقال بعد ذلك فلما كان الغد غدا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتاب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، ومن خياناتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاهم يستعين في دية الرجلين اللذين قتلهما عمرو ابن أمية الضميري في منصرفه من بئر معونة فهمت اليهود أن يطرحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرا من فوق الحصن فعصمه الله تعالى وأخبره به، ذكرنا القصة في سورة المائدة في تفسير قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾(٣) الآية، ذكر ابن حميد عن عكرمة أن الله سبحانه لما أخبر نبيه بذلك ورجع نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قال لهم كنانة ابن صوريا هل تدرون لم قام محمد قالوا لا والله ما ندري وما تدري أنت، ( قال بلى والتوراة إني لأدري قد أخبر محمد بما هممتم به من الغدر فلا تخدعوا أنفسكم والله إنه رسول الله وما قام إلا أنه أخبر بما هممتم وأنه لآخر الأنبياء وكنتم تطمعون أن يكون من بني هارون فجعله الله حيث شاء وإن كتبنا والذي درسنا في التوراة التي لم تغيروا لم تبدل أن مولده بمكة وأن دار هجرته يثرب وصفته بعينها ما يخالف حرفاهما في كتابنا ولكني أنظر إليكم طاعنين يتضاعى صبيانكم قد تركتم دوركم خلوفا أموالكم وإنما هي شرفكم فأطيعوني في خصلتين والثلاثة لا خير فيها، قال ما هما قال : تسلمون وتدخلون مع محمد فتأمنوا على أموالكم وأولادكم وتكونوا على ما عليه أصحابه ويبقى بأيديكم أموالكم ولا تخرجون من دياركم قالوا لا نفارق التوراة وعهد موسى، قال فإنه مرسل إليكم أخرجوا من بلدي فقولوا نعم دما ولا مالا ويبقى أموالكم إن شئتم بعتم وإن شئتم أمسكتم، قالوا أما هذه فنعم، قال سلام ابن مشكم قد كنت لما صنعتم كارها وهو مرسل إلينا أن أخرجوا من داري فلا تعقب ما في كلامه وأنعم له بالخروج من بلده فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أرسل إلى محمد ابن مسلمة، فلما جاء قال اذهب إلى يهود بني النضير فقل لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلدي، فلما جاءهم قال إن رسول الله صلى عليه وسلم أرسله برسالة ولست أذكرها لكم حتى أعرفكم بشيء تعرفونه، فقالوا ما هو فقال أنشدكم بالتوراة التي أنزل على موسى هل تعلمون أني جئتكم قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم وبينكم التوراة فقلتم لي في مجالسكم هنا يا ابن المسلم إن شئت أن نعذبك عذبناك وإن شئت أن نهودك هودناك فقلت بل عذبوني ولا تهودوني فإني والله ما أتهود أبدا فعذبتموني في صفحة لكم والله لكأني أنظر إليها كأنها خدعة فقلتم لي ما يمنعك من ديننا إلا أنه دين يهود كأنك تريد الحنيفة التي سمعت بها أما أن أبا عامر الراهب ليس بصاحبها بل صاحبها الضحوك القتال في عينيه حمرة ويأتي من قبل اليمن يركب البعير ويلبس الشملة وتجزى بالكسرة وسيفه على عاتقه ينطق بالحكمة كأنه سن حيكم هذه والله ليكونن بقريتكم هذه سلب وقتل مثل قالوا اللهم نعم قد قلنا وليس له فاقد، فقلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليكم أنكم قد نقضتم الذي جعلت لكم ما هممتم به من الغدر بي وأخبرهم بما كانوا هموا به وظهور عمرو ابن جحاش على البيت ليطرح عليه الصخرة، ويقول أخرجوا من بلدي وقد أجلكم عشرا فمن رأى بعد ذلك ضربت عنقه فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون وأرسلوا إلى ظهرهم بالحد فبيناهم على ذلك إذا جاءهم رسول عبد الله ابن أبي سلول سويد وأعسر قليلا يقول عبد الله ابن أبي لا تخرجوا من دياركم وأموالكم وأقيموا مع حصونكم فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون من آخرهم قبل أن يوصل إليكم ويمدكم قريظة فإنهم لم يخذلوكم يمدكم حلفائكم من غطفان، وأرسل ابن أبي كعب ابن أسد القرظي يكلمه أن يمده أصحابه، فقال لا ينقض رجل واحد العهد فيئس ابن أبي أخطب بن قريظة وأراد أن يلحم الأمر فيما بين النضير ورسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يرسل إلى حيي ابن أخطب، فقال حيي أنا أرسل إلى محمد أعلمه أن لا يخرج من ديارنا فليصنع ما بدا له وطمع حيي فيما قال ابن أبي، فقال له سلام ابن مشكم لولا أن يسفه رأيك لأعتزلتك بمن أطاعني من يهود فلا تفعل يا حيي، فوالله إنك لتعلم ونعلم من معك أنه لرسول الله وإن صفته عندنا وإنما لم نتبعه لأنا حسدناه حيث خرج النبوة من بني هارون فلتقبل ما أعطانا من الأمر وتخرج من بلاده وقد عرفت أنك حالفتني في الغدر به فإذا كان أوان التمر جئنا أو جائنا إلى تمرة أو صنع ما بدا له ثم انصرف إلينا فلم يقبل حيي قوله، وأرسل حيي أخاه جدي ابن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له : إنا لا نبرح من ديارنا وأموالنا فاصنع ما أنت صانع وأمره أن يأتي ابن أبي فيخبره برسالته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمره أن يعمل ما وعده من النضير فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة قول جدي ابن أخطب أظهر التكبير وكبر المسلمون لتكبيره وقال حاربت يهود، ثم دخل جدي على ابن أبي وهو في بيته ومعه نفر من جلسائه وقد نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالسير إلى بني النضير، فدخل عبد الله ابن عبد الله ابن أبي على ابنه وعلى النفر الذين معه وعنده جدي ابن أخطب فلبس درعه وأخذ سيفه وخرج بعد فجاء جدي إلى حيي فقال ما وراءك، قال الشر ساعة أخبرت محمد ما أرسلت به أظهر التكبير وقال حاربت يهود، قال وجئت ابن أبي فلم أر عنده خبرا قال أنا أرسل إلى حلفاء من غطفان فيدخلون معكم فسار النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بفناء النضير فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا على جدر حصونهم يرمون بالنبل والحجارة واعتزلهم بنو قريظة فلم يعينوهم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء رجع إلى بيته في عشرة من أصحابه استعمل على العسكر عليا ويقال أبا بكر وبات المسلمون يحاصرونهم حتى أصبحوا، ثم أذن بلال فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه الذين كانوا معه فصلى بالناس في قضاء بني حطم فأرسل حيي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن نعطيك الذي سألت ونخرج من بلادك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أقبله اليوم ولكن اخرجوا منها ولكن ما حملت الإبل إلا الحلقة فقال سلام ابن مشكم وأقبل ويحكم قبل أن تقبل شرا من ذلك، قال حيي ما يكون شرا من هذا قال يسبي الذرية ويقتل القاتل مع الأموال والأموال أهون علينا، فأبى حيي أن يقبل يوما أو يومين، فلما رأى ذلك يامين ابن عمير وأبو سعيه ابن وهب قال أحدهما لصاحبه والله إنك لتعلم أنه رسول الله فما تنظر أن نسلم فنأمن على دمائنا وأموالنا فنزلا من الليل فأسلما وحرز أموالهما ودمائهما، وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول محمد ابن عمر ابن سعد والبلاذري وأبو معشر وابن حبان خمسة عشر يوما، وقال ابن إسحاق وأبو عمرو ست ليال، وقال سليمان التيمي قريبا من عشرين ليلة، وقال ابن الطلاع ثلاث وعشرين ليلة، وعن عائشة خمسة وعشرين وكانوا في حصارهم يخربون بيوتهم بأيديهم مما يليهم، وكان المسلمون يخربون بأيديهم ويحرقون حتى وقع الصلح ونزلت اليهود على أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة، وجعل ما بين الرجل من قيس عشرة دنانير ويقال خمسة أوسق من تمر حتى قتل عمروا ابن جحاش غيلة، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بنو النضير إنا لنا ديونا على الناس فال عليه السلام تعجلوا فكان لأبي رافع على أسيد ابن حضير عشرين ومائة دينار إلى سنة فصالحه على ثمانين، فخرجت بنو النضير حملوا النساء والذرية وما استقلت به الإبل من الأمتعة فكان الرجل يهدم بيته عن إيجاف باب
١ أخرجه البخاري في كتاب: المغازي باب: حديث بني النضير {٤٠٢٩}}.
٢ سورة آل عمران الآية: ١٨٦.
٣ سورة المائدة الآية: ١١.
٢ سورة آل عمران الآية: ١٨٦.
٣ سورة المائدة الآية: ١١.