البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
يقول الحق جلّ جلاله :﴿سَبَّح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ أي : نزّهه أهلُ السماوات السبع، وأهلُ الأرضين السبع. وكرر الموصول هنا لزيادة التقرير، والتنبيه على استقلال كل مِن الفريقين بالتسبيح. قال الكواشي : فيه إيماء إلى قدرة الله تعالى، وأنه أهل لأن يُسبَّح لمنِّه على المؤمنين بنصرهم على أعدائهم، ﴿وهو العزيزُ الحكيم﴾، قال ابن عطية : صفتان مناسبتان لِمَا يأتي بعدُ، من قصة العدو الذي أخرجهم مِن ديارهم. ه.
رُويَ أنَّ هذه السورة بأسرها نزلت في بني النضير، وهم رهط من اليهود، من ذرية هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل لبعثته صلى الله عليه وسلم، وقيل : هم بقية الحبرْين اللذين كانا مع تُبع(١)، فنزلا المدينة انتظاراً له صلى الله عليه وسلم، وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حين قَدِمَ المدينة صالحهم على ألاّ يكونوا عليه ولا له، فلما ظَهَرَ يوم بدر، قالوا : هو النبيّ الذي نعْتُه في التوراة : لا تُردُّ له رايةٌ، فلما كان يوم أُحُد ما كان، ارتابوا ونكثوا، فخرج كعبُ بن الأشرف في أربعين راكباً، فحالف أبا سفيان عند الكعبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر عليه السلام محمدَ بن مسلمة الأنصاري في فتية، فقتل كعباً غيلة، وكان أخاه من الرضاعة، وقد كان عليه السلام اطلع منهم على خائنةٍ ونقض عهدٍ، حين أتاهم ومعه أبو بكر وعمر وعليّ، ليستعينهم في دية الرجلين اللذَين قتلهما عَمرو بنُ أمية الضمري، غلطاً، فأجابوه على ذلك، وأجلسوه تحت الحِصن، وأمروا رجلاً منهم أن يطرح على النبي صلى الله عليه وسلم رَحىً، فنزل جبريلُ فأخذ بيده وأقامه، فرجع إلى المدينة، وأمر المسلمين بالخروج إلى بني النضير، وهم بقريةٍ يقال لها : زهرة، فأمرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالخروج من المدينة، فاستمهلوه عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدسّ إليهم عبدُ الله بن أُبي وأصحابه من المنافقين : لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم، لا نخذلكم، ولئن خرجتم لَنَخْرُجنَّ معكم، فحصّنوا أسوارَهم، فحاصرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين ليلة، وأمر بقطع نخلهم، فلما قذف اللهُ في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين، طلبوا الصُلح، فأبى عليهم إلاّ الجلاء، على أن يَحْمِل كلُّ ثلاثة أبياتٍ على بعيرٍ ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي، فخرجوا إلى الشام، وإلى أذرعات وأريحا، إلاّ بيتين ؛ آل أبي الحقيق، وآل حُيَي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة، وذلك قوله تعالى :﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب مِن ديارهم﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة :﴿سبِّح لله﴾ نزَّه الله تعالى مَن وجود الغيرية والإثنينية ما في سموات الأرواح من علوم الأحدية، ونزّهه ما في أرض النفوس والعقول من البراهين القطعية عن الشبيه والنظير. والعارف الكامل هو الذي يجمع بين التنزيه والتشبيه في ذات واحدة، في دفعة واحدة، فالتنزيه من حيث ذات المعاني، والتشبيه من حيث الأواني، أو التنزيه من حيث الجمع، والتشبيه من حيث الفرق، أو التنزيه من حيث اسمه الباطن، والتشبيه من حيث اسمه الظاهر. وانظر القشيري في مختصر الإشارات، ولعل هذا المنزع هو الذي رام الجيلاني، حيث قال في عينيته :
أي : لا تقف مع واحدٍ منهما، فأطلق عنان المعاني في كل ما ترى، ولا تشبه المعاني بشيء، إذ ليس مثلها ولا معها فإياك أن تنزّه المعاني عن شيء، فتقيّد عن الشهود فيه، وإياك أن تشبهها بشيء ؛ إذ ليس مثلها شيء في الوجود. والله تعالى أعلم. ولا يعلم هذا إلا أهل الذوق الكبير.
ثم قال تعالى :﴿هو الذي أخرج﴾ الخواطر الردية، والخبائث اليهودية، من ديار القلوب، عند أول حشرها إلى الحضرة، ما ظننتم أن يخرجوا، لتمكنها من النفس، وتمرُّنها معها، وظنوا أنهم مانعتهم حصونُهم من الله، حيث تحصّنوا بتمكن العوائد ورسوخها في النفس، ومخالطة الأحباب والعشائر، والرئاسة والجاه والمال، فأتاهم الله من حيث لم يحتسِبوا، حيث قيَّض لها شيخاً عارفاً، وقذف في القلب خوفاً مزعجاً، أو شوقاً مقلقاً، وقذف في قلوبهم الرعب، فخرجت تلك الخبائث قهراً، يُخربون بيوتهم، أي : بيوت ظواهرهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، أي : بإعانة المشايخ والإخوان، فطهَّروا بواطنهم من الخبائث، وخرّبوا ظواهرهم من زينة الحس، فحينئذ تعمّرت بواطنُهم بأسرار العلوم والمعارف، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وافعلوا مثل فعلهم، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء من القلوب ؛ لعذّبهم في الدنيا بالحرص والجزع والطمع، ولهم في الآخرة عذاب نار القطيعة، بعد إسدال الحجاب في الدنيا، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ؛ إذ كل مخالفة إنما هي من النفس وجنودها في عالم الحكمة.
رُويَ أنَّ هذه السورة بأسرها نزلت في بني النضير، وهم رهط من اليهود، من ذرية هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل لبعثته صلى الله عليه وسلم، وقيل : هم بقية الحبرْين اللذين كانا مع تُبع(١)، فنزلا المدينة انتظاراً له صلى الله عليه وسلم، وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حين قَدِمَ المدينة صالحهم على ألاّ يكونوا عليه ولا له، فلما ظَهَرَ يوم بدر، قالوا : هو النبيّ الذي نعْتُه في التوراة : لا تُردُّ له رايةٌ، فلما كان يوم أُحُد ما كان، ارتابوا ونكثوا، فخرج كعبُ بن الأشرف في أربعين راكباً، فحالف أبا سفيان عند الكعبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر عليه السلام محمدَ بن مسلمة الأنصاري في فتية، فقتل كعباً غيلة، وكان أخاه من الرضاعة، وقد كان عليه السلام اطلع منهم على خائنةٍ ونقض عهدٍ، حين أتاهم ومعه أبو بكر وعمر وعليّ، ليستعينهم في دية الرجلين اللذَين قتلهما عَمرو بنُ أمية الضمري، غلطاً، فأجابوه على ذلك، وأجلسوه تحت الحِصن، وأمروا رجلاً منهم أن يطرح على النبي صلى الله عليه وسلم رَحىً، فنزل جبريلُ فأخذ بيده وأقامه، فرجع إلى المدينة، وأمر المسلمين بالخروج إلى بني النضير، وهم بقريةٍ يقال لها : زهرة، فأمرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالخروج من المدينة، فاستمهلوه عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدسّ إليهم عبدُ الله بن أُبي وأصحابه من المنافقين : لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم، لا نخذلكم، ولئن خرجتم لَنَخْرُجنَّ معكم، فحصّنوا أسوارَهم، فحاصرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين ليلة، وأمر بقطع نخلهم، فلما قذف اللهُ في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين، طلبوا الصُلح، فأبى عليهم إلاّ الجلاء، على أن يَحْمِل كلُّ ثلاثة أبياتٍ على بعيرٍ ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي، فخرجوا إلى الشام، وإلى أذرعات وأريحا، إلاّ بيتين ؛ آل أبي الحقيق، وآل حُيَي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة، وذلك قوله تعالى :﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب مِن ديارهم﴾.
| وإياكَ والتنزيهَ فهو مُقيّدٌ | وإياك والتشبيهَ فهو مُخَادِعُ |
ثم قال تعالى :﴿هو الذي أخرج﴾ الخواطر الردية، والخبائث اليهودية، من ديار القلوب، عند أول حشرها إلى الحضرة، ما ظننتم أن يخرجوا، لتمكنها من النفس، وتمرُّنها معها، وظنوا أنهم مانعتهم حصونُهم من الله، حيث تحصّنوا بتمكن العوائد ورسوخها في النفس، ومخالطة الأحباب والعشائر، والرئاسة والجاه والمال، فأتاهم الله من حيث لم يحتسِبوا، حيث قيَّض لها شيخاً عارفاً، وقذف في القلب خوفاً مزعجاً، أو شوقاً مقلقاً، وقذف في قلوبهم الرعب، فخرجت تلك الخبائث قهراً، يُخربون بيوتهم، أي : بيوت ظواهرهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، أي : بإعانة المشايخ والإخوان، فطهَّروا بواطنهم من الخبائث، وخرّبوا ظواهرهم من زينة الحس، فحينئذ تعمّرت بواطنُهم بأسرار العلوم والمعارف، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وافعلوا مثل فعلهم، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء من القلوب ؛ لعذّبهم في الدنيا بالحرص والجزع والطمع، ولهم في الآخرة عذاب نار القطيعة، بعد إسدال الحجاب في الدنيا، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ؛ إذ كل مخالفة إنما هي من النفس وجنودها في عالم الحكمة.
١ انظر تفسير الآية ١٤ من سورة ق..