روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وَمَا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ شروع في بيان حال ما أخذ من أموالهم بعد بيان ما حل بأنفسهم من العذاب العاجل والآجل وما فعل بديارهم ونخيلهم من التخريب والقطع أي ما أعاده الله تعالى إلى رسوله ﷺ من أولئك الكفرة وهم بنو النضير و ﴿مَا﴾ موصولة مبتدأ، والجملة بعدها صلة، والعائد محذوف كما أشرنا إليه، والجملة المقترنة بالفاء بعد خبر، ويجوز كونها شرطية، والجملة بعد جواب، والمراد بما أفاء سبحانه عليه ﷺ منهم أموالهم التي بقيت بعد جلائهم، والمراد بإعادتها عليه عليه الصلاة والسلام تحويلها إليه، وهو إن لم يقتض سبق حصولها له ﷺ نظير ما قيل في قوله تعالى :﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] ظاهر وإن اقتضى سبق الحصول كان فيما ذكر مجازاً، وفيه إشعار بأنها كانت حرية بأن تكون له ﷺ وإنما وقعت في أيديهم بغير حق فأرجعها الله تعالى إلى مستحقها، وكذا شأن جميع أموال الكفرة التي تكون فيئاً للمؤمنين لأن الله عز وجل خلق الناس لعبادته وخلق ما خلق من الأموال ليتوسلوا به إلى طاعته فهو جدير بأن يكون للمطيعين، ولذا قيل للغنيمة التي لا تلحق فيها مشقة : فيء مع أنه من فاء الظل إذا رجع، ونقل الراغب عن بعضهم أنه سمي بذلك تشبيها بالفيء الذي هو الظل تنبيهاً على أن أشرف أعراض الدنيا يجري مجرى ظل زائل، و ﴿أَفَاء﴾ على ما في البحر بمعنى المضارع أما إذا كانت ﴿مَا﴾ شرطية فظاهر، وأما إذا كانت موصولة فلأنها إذا كانت الفاء في خبرها تكون مشبهة باسم الشرط فإن كانت الآية نازلة قبل جلائهم كانت مخبرة بغيب، وإن كانت نزلت بعد جلائهم وحصول أموالهم في يد الرسول ﷺ كانت بياناً لما يستقبل، وحكم الماضي حكمه، والذي يدل عليه الأخبار أنها نزلت بعد، روي أن بني النضير لما أجلوا عن أوطانهم وتركوا رباعهم وأموالهم طلب المسلمون تخميسها كغنائم بدر فنزل ﴿مَّا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الخ فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، فقد أخرج البخاري. ومسلم. وأبو داود. والترمذي. والنسائي. وغيرهم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله تعالى على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب وكانت لرسول الله ﷺ خاصة فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله تعالى.
وقال الضحاك : كانت له ﷺ خاصة فآثر بها المهاجرين وقسمها عليهم ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا أبا دجانة سماك بن خرشة. وسهل بن حنيف. والحرث بن الصمة أعطاهم لفقرهم، وذكر نحوه ابن هشام إلا أنه ذكر الأولين ولم يذكر الحرث، وكذا لم يذكره ابن سيد الناس، وذكر أنه أعطى سعد بن معاذ سيفاً لابن أبي الحقيق كان له ذكر عندهم، ومعني ﴿مَا * أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ما أجريتم على تحصيله من الوجيف وهو سرعة السير، وأنشد عليه أبو حيان قول نصيب
:
ألا ربّ ركب قد قطعت وجيفهمإليك ولولا أنت لم توجف الركب
وقال ابن هشام :﴿أَوْجَفْتُمْ﴾ حركتم وأتعبتم في السير، وأنشد قول تميم بن مقبل
:
مذ أويد بالبيض الحديث صقالهاعن الركب أحياناً إذا الركب أوجفوا
والمآل واحد، و ﴿مِنْ﴾ في قوله تعالى :﴿مِنْ خَيْلٍ﴾ زائدة في المفعول للتنصيص على الاستغراق كؤنه قيل فما أوجفتم عليه فرداً من أفراد الخيل أصلا ﴿وَلاَ رِكَابٍ﴾ ولا ما يركب من الإبل غلب فيه كما غلب الراكب على راكبه فلا يقال في الأكثر الفصيح : راكب لمن كان على فرس. أو حمار ونحوه بل يقال : فارس ونحوه، وإن كان ذلك عاماً لغيره وضعا. وإنما لم يعملوا الخيل ولا الركاب بل مشوا إلى حصون بن النضير رجالا إلا رسول الله ﷺ فإنه كان على حمار. أو على جمل كما تقدم لأنها قريبة على نحو ميلين من المدينة فهي قريبة جدّاً منها، وكان المراد إن ما حصل لم يحصل بمشقة عليكم وقتال يعتدّ به منكم، ولهذا لم يعط ﷺ الأنصار إلا من سمعت، وأما إعطاؤه المهاجرين فلعله لكونهم غرباء فنزلت غربتهم منزلة السفر والجهاد، ولما أشير إلى نفي كون حصول ذلك بعملهم أشير إلى علة حصوله بقوله عز وجل :﴿ولكن الله يُسَلّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَاء﴾ أي ولكن سنته عز وجل جارية على أن يسلط رسله على من يشاء من أعدائهم تسليطاً خاصاً، وقد سلط رسوله محمداً ﷺ على هؤلاء تسليطاً غير معتاد من غير أن تقتحموا مضايق الخطوب وتقاسوا شدائد الحروب فلا حق لكم في أموالهم، ويكون أمرها مفوضاً إليه ﷺ ﴿والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ﴾ فيفعل ما يشاء كما يشاء تارة على الوجوه المعهودة، وأخرى على غيرها، وقيل : الآية في فدك لأن بني النضير حوصروا وقوتلوا دون أهل فدك وهو خلاف ما صحت به الأخبار، والواقع من القتال شيء لا يعتد به.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى