الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال :﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ أي : الذي رد الله على رسوله ﷺ (١) من أموال بني النضير فلم توجفوا على غنيمته وأخذه خيلا ولا إبلا، أي : لم تلقوا في ذلك حربا ولا مئونة (٢)، لأنهم معكم في بلدكم. قال قتادة : ما قطعتم إليهم واديا، ولا سرتم مسيرا، إنما كانت حوائط بين النضير طعمة (٣) لكم من عند الله (٤). / ( وقد قيل إنما عني بذلك ) (٥) أموال بني قريظة، إذ قتلهم النبي ﷺ (٦)، وسباهم لما استولى (٧) عليهم، قاله الضحاك (٨). وأكثر المفسرين على أنهم بنو النضير، لأنهم صولحوا (٩) على الجلاء وتركوا أموالهم بغير ايجاف من خيل ولا ركاب (١٠). والإيجاف : ضرب من السير سريع. يقال : وجف (١١) : إذا أسرع، وأوجفه غيره (١٢).
قال مجاهد : في قوله ﴿فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ ذكرهم ربهم عز وجل (١٣) أنه نصرهم وكفاهم (١٤).
قال (١٥) ابن عباس : أمر الله عز وجل (١٦) رسوله ﷺ (١٧) بالمسير إلى قريظة والنضير، وليس للمسلمين يومئذ كبير خيل ولا ركاب يوجف عليها فملكوا من ذلك خيبر وفدك (١٨) وقرى (١٩) ثم أمر الله عز وجل (٢٠) رسول الله ﷺ (٢١) أن يعمد لينبع (٢٢) فأتاها فاحتواها كلها عدة ( لنفقته (٢٣) ومصالح ) المسلمين ولم يقسمها، فكان يفعل فيها ما يرى فيجعل الباقي بعد مصلحته في السلاح الذي يقاتل به العدو، وفي الكراع، فلما توفي النبي ﷺ طلبت فاطمة أبا بكر في إرثها من ذلك، فقال أبو بكر أنت أعز علي [ غير ] (٢٤) أني سمعت رسول الله ﷺ يقول : " لا نورث " ما تركنا صدقة (٢٥).
ولكني أقره على ما كان في ( عهد رسول الله ) (٢٦) ﷺ فقال ناس : هلا قسمها النبي (٢٧)، فأنزل الله عز وجل (٢٨) ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول﴾.
ثم قال تعالى :﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٢٩).
ثم قال :﴿ولكن الله يسلط رسله على من يشاء﴾ أي : يفعل ذلك كما سلط محمدا ﷺ (٣٠) على بني النضير، فكان له خاصة ما غنم منهم يعمل فيه ما يرى.
ثم قال :﴿والله على كل شيء قدير﴾ أي : ذو قدرة على كل شيء، لا يعجزه شيء، وبقدرته سلط محمدا ﷺ (٣١) على النضير وغيرهم.
ثم قال :﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى﴾ [ ٧ ].
أي : الذي رد الله عز وجل (٣٢) على رسوله ﷺ (٣٣) من أموال مشركي القرى [ فلله وللرسول يعني القرى ] (٣٤) التي غنمت بقتال وإيجاف خيل وركاب، ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال بقوله :﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله﴾ (٣٥) الآية (٣٦) (٣٧).
وقيل : أي : هذا (٣٨) فيما غنمتم بصلح من غير إيجاف خيل أو ركاب (٣٩) فيكون مثل الأول في المعنى، إلا أن الأول مخصوص في ( بني النضير ) (٤٠) خاصة يتفرد (٤١) به النبي ﷺ يفعل فيه ما يرى، وكذلك فعل، وهذا الثاني يكون للأصناف (٤٢) التي ذكر الله عز وجل (٤٣) والذي في سورة الأنفال في ما غنم بخيل وركاب وقتال، فالثلاث الآيات محكمات على هذا القول (٤٤).
وقيل : أن هذا غير الأول لأن هذا إنما هو في ما كان (٤٥) من الجزية (٤٦). والخراج يكون لهؤلاء الأصناف المذكورين، والأول للنبي عليه السلام (٤٧)خاصة، وما في الأنفال هو ما (٤٨) غنم بإيجاف خيل (٤٩) وركاب وقتال يكون للأصناف المذكورين، وهذا القول قاله معمر (٥٠).
ثم قال :﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ أي : فعلنا ذلك في هذه الغنائم كي لا يقتسمه الأغنياء منكم ويتداولوه بينهم دون من ذكر الله عز وجل (٥١) (٥٢).
ثم قال :﴿واتقوا الله﴾ أي : اتقوه أن تخالفوا رسوله.
١ ساقط من ع، ج..
٢ ج: "مؤونة"..
٣ ع: "طعمة": وهو تحريف..
٤ انظر: جامع البيان ٢/٢٤، والدر المنثور ٨/٩٨ -٩٩..
٥ ع: "وقيل عني بذلك"..
٦ ساقط من ع، ج..
٧ ح، ج: "استوى"..
٨ انظر: جامع البيان ٢٨/٢٥..
٩ ج: "صلوا" وهو تحريف..
١٠ انظر: التفسير الكبير للرازي ٢٩/٢٨٤، والكشاف ٤/٨٢، وتفسير القرطبي ١٨/١١، والبحر المحيط ٨/٢٤٤، وروح المعاني ٢٨/٤٥..
١١ ح: "أوجف"..
١٢ انظر: العمدة ٣٠٣، والصحاح ٤/١٤٣٧، واللسان ٣/٨٨٢، وتاج العروس ٦/٢٢٤، وغريب القرآن وتفسيره ١٧٩٥، وتفسير الغريب ٤٦٠..
١٣ ساقط من ع، ج..
١٤ انظر: تفسير مجاهد ٦٥٢، وجامع البيان ٢٨/٢٤..
١٥ ع، ج: "قال"..
١٦ ساقط من ع، ج..
١٧ ساقط من ع، ج..
١٨ فدك: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة، أفاءها الله على رسوله صلى الله عليه والسلام في سنة سبع صلحا وذلك أن النبي ﷺ لما نزل خيبر وفتح حصونها ولم يبق إلا ثلث، واشتد بهم الحصار راسلوا رسول الله ﷺ يسألونه أن ينزلهم على الجلاء وفعل، وبلغ أهل فدك فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ أن يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم فأجابهم إلى ذلك فهي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت خالصة لرسول الله، وكان معاوية وهبها لمروان ثم ارتجعها منه سنة ثمان وأربعين لموجدة وجدها عليه، ولما ولي عمر بن عبد العزيز رد فدك إلى ما كانت عليه على عهد رسول الله ﷺ وكانت له خالصة في أيام إمرته. انظر: الروض المعطار ٤٣٧، ومعجم البلدان لياقوت الحموي ٤/٢٣٨..
١٩ ج: "وفد دوقرا، وفي ع": وفرك وفزا وكلاهما تحريف..
٢٠ ساقط من ع..
٢١ ساقط من ع..
٢٢ ينبع: مدينة في طريق مكة. انظر: الروض المعطار ٦٢١..
٢٣ ع: "ولنفقته ولمصالح"..
٢٤ ساقط من ح..
٢٥ أخرجه البخاري في كتاب الفرائض باب: قول النبي لا نورث ما تركناه صدقة ٨/٣. عن عائشة أن فاطمة والعباس عليهما السلام أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ﷺ وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك وسهمهما من خيبر فقال لهما أبو بكر سمعت رسول الله ﷺ يقول لا نورث ما تركناه صدقة إنما يأكل آل محمد من هذا المال قال أبو بكر والله لا أدع امرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيه إلا صنعته، قال فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت".
ومثله في كتاب النفقات ٦/١٩٠، باب: حبس نفقة الرجل قوت سنة على أهله وكيف نفقات العيال. ومسلم كتاب الجهاد باب: حكم الفيء ١٢/٧٥..

٢٦ ع: "عهد النبي" وفي ج: "مسجد النبي"..
٢٧ ع: "رسول الله"..
٢٨ ع، ج: "عذرة"..
٢٩ انظر: جامع البيان ٢٨/٢٤..
٣٠ ساقط من ع، ج..
٣١ ساقط من ع، ج..
٣٢ ساقط من ع، ج..
٣٣ ساقط من ع، ج..
٣٤ ساقط من ح..
٣٥ ساقط من ع، ج..
٣٦ الأنفال: آية ٤١..
٣٧ انظر: إعراب النحاس ٤/٣٩٤..
٣٨ ع: "إنما هو" ج، "إنما هذا"..
٣٩ ع، ج: "ولا ركاب"..
٤٠ ع: "النظير"..
٤١ ع، ج: "يفرد"..
٤٢ ع: "للأصناف": وهو تحريف..
٤٣ ساقط من ع، ج..
٤٤ انظر: الإيضاح ٤٢٩-٤٣٠، وأحكام ابن العربي ٤/١٧٧١. والناسخ والمنسوخ لابن العربي ٣٨٣، والبحر المحيط ٨/٢٤٥..
٤٥ ج: "مكان"..
٤٦ انظر: أحكام ابن العربي ٤/١٧٧١..
٤٧ ساقط من ع، ج٢..
٤٨ ع، ج: "هو فيما"..
٤٩ ع: "وخيل"..
٥٠ انظر: إعراب النحاس ٤/٣٩٣، وأحكام ابن العربي ٤/١٧٧١..
٥١ ساقط من ع، ج..
٥٢ انظر: إعراب النحاس ٤/٢٩٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى