زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ أي : حفظناها أن يصل إليها شيطان أو يعلم من أمرها شيئا إلا استراقا، ثم يتبعه الشهاب. والرجيم مشروح في آل عمران :[ ٣٦ ].
واختلف العلماء : هل كانت الشياطين ترمى بالنجوم قبل مبعث نبينا ﷺ، أم لا ؟ على قولين :
أحدهما : أنها لم ترم حتى بعث ﷺ، وهذا المعنى مذكور في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقد أخرج في " الصحيحين " من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :( انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب )، وظاهر هذا الحديث أنها لم تكن قبل ذلك. قال الزجاج : ويدل على أنها إنما كانت بعد مولد رسول الله ﷺ أن شعراء العرب الذين يمثلون بالبرق والأشياء المسرعة، لم يوجد في أشعارها ذكر الكواكب المنقضة، فلما حدثت بعد مولد نبينا ﷺ، استعملت الشعراء ذكرها، فقال ذو الرمة :
كأنه كوكب في إثر عفريةمسوم في سواد الليل منقضب
والثاني : أنه قد كان ذلك قبل نبينا ﷺ، فروى مسلم في " صحيحه " من حديث علي بن الحسين عن ابن عباس قال : بينا النبي ﷺ جالس في نفر من أصحابه، إذ رمي بنجم، فاستنار، فقال :( ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية ) ؟ قالوا كنا نقول : يموت عظيم، أو يولد عظيم، قال :( فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا إذا قضى أمرا، سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء، ثم يستخبر أهل السماء السابعة حملة العرش : ماذا قال ربكم ؟ فيخبرونهم، ثم يستخبر أهل كل سماء أهل سماء، حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن ويرمون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون ). وروي عن ابن عباس أن الشياطين كانت لا تحجب عن السموات، فلما ولد عيسى، منعت من ثلاث سموات، فلما ولد رسول الله ﷺ، منعوا من السموات كلها. وقال الزهري : قد كان يرمى بالنجوم قبل مبعث رسول الله، ولكنها غلظت حين بعث ﷺ، وهذا مذهب ابن قتيبة، قال : وعلى هذا وجدنا الشعر القديم، قال بشر بن أبي خازم، وهو جاهلي :
والعير يرهقها الغبار وجحشهاينقض خلفهما انقضاض الكوكب
وقال أوس بن حجر، وهو جاهلي :
فانقض كالدريء يتبعهنقع يثور تخاله طنبا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى