روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ فعلت فيه ما يصير به مستوياً معتدلاً مستعداً لفيضان الروح وقيل : صوته بالصور الإنسانية والخلقة البشرية ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ النفخ في العرف إجراء الريح من الفم أو غيره في تجويف جسم صالح لإمساكها والامتلاء بها، والمراد هنا تمثيل إفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها وليس هناك نفخ حقيقة.
وقال حجة الإسلام : عبر بالنفخ الذي يكون سبباً لاشتعال فتيلة القابل من الطين الذي تعاقبت عليه الأطوار حتى اعتدل واستوى واستعد استعداداً تاماً بنور الروح كما يكون سبباً لاشتعال الحطب القابل مثلاً بالنار عن نتيجته ومسببه وهو ذلك الاشتعال، وقد يكنى بالسبب عن الفعل المستفاد الذي يحصل منه على سبيل المجاز وإن لم يكن الفعل المستفاد على صورة الفعل المستفاد منه، ثم هذا الروح عنده وكذا عند جماعة من المحققين ليس بجسم يحل البدن حلول الماء في الإناء مثلاً، ولا هو عرض يحل القلب أو الدماغ حلول السواد في الأسود والعلم في العالم بل هو جوهر مجرد ليس داخل البدن ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، ولهم على ذلك عدة أدلة.
الدليل الأول : أن الإنسان يمكنه إدراك الأمور الكلية وذلك بارتسام صور المدركات في المدرك فمحل تلك الصور إن كان جسماً فإما أن يحل غير منقسم أو منقسماً، والأول محال لأن الذي لا ينقسم من الجسم طرف نقطي والنقطة تمتنع أن تكون محلاً للصور العقلية لأنها مما لا يعقل حصول المزاج لها حتى يختلف حال استعدادها في القابلية وعدمها بل إن كانت قابلة للصور المذكورة وجب أن يكون ذلك القبول حاصلاً أبداً ولو كان كذلك لكان المقبول حاصلاً أبداً لما أن المبادىء الفعالة المفارقة عامة الفيض فلا يتخصص إلا لاختلاف أحوال القوابل فلو كان القابل تام الاستعداد لكان المقبول واجب الحصول وحينئذٍ يكون جميع الأجسام ذوات النقط عاقلة، ويجب أيضاً أن يبقى البدن بعد الموت عاقلاً لبقاء محل الصور على استعداده وليس كذلك، والثاني أيضاً محال لأن الحال في المنقسم منقسم فيلزم أن تكون تلك الصورة منقسمة أبداً وذلك محال لوجوه مقررة فيما بينهم.
الدليل الثاني : ما عول عليه الشيخ وزعم أنه أجل ما عنده في هذا الباب وهو أنه يمكننا أن نعقل ذواتنا وكل من عقل ذاتاً فله ماهية ذلك الذات فإذاً لنا ماهية ذاتنا فلا يخلو إما أن يكون تعقلنا لذاتنا لأجل صورة إلى الجمع بين المثلين فتعين الثاني، وكل ما ذاته حاصل لذاته كان قائماً بذاته، فإذن القوة العاقلة وهي الروح والنفس الناطقة قائمة بنفسها، وكل جسم أو جسماني فإنه غير قائم بنفسه، وأكثر تلامذته من الاعتراضات وأجاب عنها.
الدليل الثالث : ما عول عليه أفلاطون وهو أنا نتخيل صوراً لا وجود لها في الخارج ونميز بينها وبين غيرها فهذه الصور أمور وجودية ومحلها يمتنع أن يكون جسمانياً فإن جملة بدننا بالنسبة إلى الأمور المتخيلة لنا قليل من كثير فكيف ينطبق الصور العظيمة على المقادير الصغيرة ؟ وليس يمكن أن يقال : إن بعض تلك الصور منطبعة في أبداننا وبعضها في الهواء المحيط بنا إذ الهواء ليس من جملة أبداننا ولا آلة لنفوسنا في أفعالها أيضاً وهو ظاهر، فإذن محل هذه الصور شيء غير جسماني وذلك هو النفس الناطقة.
الدليل الرابع : لو كان محل الإدراكات شيئاً جسمانياً لصح أن يقوم ببعض ذلك الجسم علم وبالبعض الآخر جهل فيكون الشيء الواحد عالماً جاهلاً بشيء واحد في حالة واحدة.
الدليل الخامس : أن الروح لو كان منطبعاً في جسم مثل قلب أو دماغ لكان إما أن يعقل دائماً ذلك الجسم أو لا يعقله كذلك أو يعقله في وقت دون وقت والأقسام باطلة فالقول بانطباعه باطل، وبيان ذلك أن تعقل الروح لذلك الجسم إما أن يكون لأجل أن الآلة حاضرة عنده أو لأن صورة أخرى من تلك الآلة تحصل له فإن كان الأول فالروح إن أمكنه إدراك تلك الآلة وإدراك نفس مقارنتها له فما دامت الآلة مقارنة وجب أن يعقلها الروح فيكون دائم الإدراك لتلك الآلة وإن امتنع على الروح إدراك الآلة وجب أن لا يدركها أبداً فظاهر أنه لو كان تعقل الروح لتلك الآلة لأجل المقارنة لوجب أن يعقلها دائماً أو لا يعقلها كذلك وكلا القسمين باطل، وأما إن كان تعقله لها لأجل حصول صورة أخرى منها فالروح إن كانت في تلك الآلة والصورة الثانية حاصلة فيه يكون الصورة الثانية للآلة حالة أيضاً في الآلة لأن الحال في الحال في الشيء حال في ذلك الشيء فيلزم الجمع بين المثلين وإن لم يكن الروح في تلك الحالة بل مجردة فذلك المطلوب واستدل بغير ذلك أيضاً.
وقد ذكر الإمام في المباحث من الأدلة اثني عشر دليلاً منها ما ذكر وأطال الكلام في ذلك جرحاً وتعديلاً وعول في إثبات هذا المطلب على غير ذلك فقال : والذي نعول عليه أن نقول : إن كل عاقل يجد من نفسه أنه الذي كان قبل فهويته إما أن تكون جسماً وإما أن تكون قائمة بالجسم وإما أن لا تكون شيئاً من الأمرين والأول بالباطل، أما أولاً فلأن الإنسان قد يكون عالماً بهويته عند ذهوله عن جملة أعضائه الظاهرة والباطنة، وأما ثانياً فلأن الأبعاض الجسمانية دائمة التحلل والتبدل لأن الأسباب المحالة من الحرارة الخارجية الداخلية والحركات النفسانية والبدنية مما لا تختص بجزء دون جزء والبدن مركب من الأعضاء المركبة وهي مركبة من الأعضاء البسيطة مثل اللحم والعظم فيكون كل جزء من اللحم مثل الآخر في الاستعداد للتحلل فإذا كانت الأجزاء كلها متساوية في ذلك كانت نسبة المحللات إلى كل واحد من الأجزاء كنسبته إلى الجزء الآخر فلم يكن عروض التحلل لبعض أولى من عروضه للبعض الآخر فثبت أن هوية الإنسان ليست جسماً وليست أيضاً قائمة بالجسم لأن القائم به يجب أن يتبدل عند تبدله لاستحالة انتقال الأعراض فكان يلزم أن لا يجد الإنسان من نفسه أنه الذي كان موجوداً قبل، ولما كان هذا العلم من العلوم البديهية علمنا أن هوية الإنسان ليست جسماً ولا محتاجة إليه فهو جوهر مجرد وهو المطلوب.
ولا يلزم أن يكون لسائر الحيوانات هذا الجوهر لأنا وإن عرفنا أنها تعلم هويات أنفسها لكن لا نعرف أنها تعلم من أنفسها أنها هي التي كانت موجودة قبل ويمكن أن يحتج أيضاً على هذا المطلب بأنا قد دللنا على أن المدرك بجميع أصناف الإدراكات لجميع المدركات شيء واحد في الإنسان فنقول ذلك المدرك إما أن يكون جسماً أو قائماً به أو لا ولا، والأول ظاهر الفساد لأن الجسم من حيث هو جسم لا يمكن أن يكون مدركاً، والثاني أيضاً باطل لأن تلك الصفة إما أن تكون قائمة بجميع أجزاء البدن أو ببعض دون بعض والأول باطل وإلا لكان كل جزء من أجزاء البدن مبصراً سامعاً متخيلاً متفكراً عاقلاً وليس كذلك، وبطل أيضاً أن يقال : إن بعض الأعضاء قامت به القوة المدركة لجميع هذه المدركات لأنه يلزم أن يكون في البدن عضو واحد سامع مبصر متخيل متفكر عاقل ولسنا نجد ذلك فينا، وبهذا ظهر أيضاً فساد ما قيل : لعل القوة المدركة لجميع المدركات قائمة بجسم لطيف محصور في بعض الأعضاء لظهور أنا لا نجد من أبداننا موضعاً مشتملاً على هذا الجسم اللطيف السامع المبصر المتخيل المتفكر العاقل، وليس لأحد أن يقول : هب أنكم لا تعرفون هذا الموضع لكن ذلك لا يدل على عدمه لأنا نقول إنا قد دللنا على أنا السامعون المبصرون المتخيلون العاقلون فلو كان بعض الأجسام سواء كان جزأً من البدن أو محصوراً في جزء منه موصوفاً بالقوة المتعلقة بجميع هذه المدركات لم يكن حقيقتنا وهويتنا إلا ذلك الجسم فلو لم نعرفه لكنا لا نعرف حقيقة أنفسنا وذلك باطل فثبت أن الموصوف بالقوة المدركة لجميع المدركات ليس جسماً أصلاً ولا قائماً به فهو جوهر مجرد وهو المطلوب، وذكر هؤلاء الذاهبون إلى التجرد أنه متعلق بالبدن كتعلق العاشق عشقاً جبلياً إلهامياً بالمعشوق حتى أنه لا ينقطع ذلك التعلق ما دام البدن مستعداً لأن يتعلق به بل تعلق الروح أقوى من هذا التعلق بكثير وهو تعلق التدبير والتصريف وإضافته إلى ضميره تعالى في الآية لأنه سبحانه وتعالى خلقه من غير واسطة تجري مجرى الأصل والمادة أو للتشريف، وسئل حجة الإسلام عن ذلك فقال : لو نطقت الشمس وقالت : أفضت على الأرض من نوري يكون ذلك صدقاً ويكون معنى النسبة أن النور الحاصل للأرض من جنس نور الشمس بوجه من الوجوه.
وإن كان في غاية من الضعف بالنسبة إليه وقد عرفت أن الروح منزه عن الجهة والمكان وفي قوته العلم بجميع الأشياء وذلك مضاهاة ومناسبة ولذلك خص بالإضافة وهذه المضاهاة ليست للجسمانيات أصلاً، وليس لأحد أن يقول : إن في تنزيه الروح عن المكان وصفاً له بصفة الله تعالى شأنه وتقدست صفاته بل بأخص صفاته سبحانه ويلزم من ذلك عدم التميز فقد قالوا : كما يستحيل اجتماع جسمين في مكان واحد يستحيل أن يجتمع اثنان لا في مكان لأنه إنما استحال اجتماع جسمين في مكان لأنه لو اجتمعا لم يتميز أحدهما عن الآخر فكذلك لو وجد اثنان كل واحد منهما ليس في مكان لم يحصل التميز والفرق بينهما ولذا قالوا لا يجتمع سوادان في محل واحد حتى قيل المثلان كالضدين لأنا نقول : التميز غير منحصر بالمكان بل يكون به لجسمين في مكانين وبالزمان كسوادين في جوهر واحد في زمانين وبالحد والحقيقة كالأعراض المختلفة في محل واحد مثل الطعم واللون والبرودة والرطوبة في جسم واحد فإن تميز كل منها عن الآخر بذاته لا بمكان ولا زمان ومثل ذلك العلم والإرادة والقدرة فإن تميز كل أيضاً بذاته وإن كان الجميع لشيء واحد فإذا تصور أعراض مختلفة الحقائق في محل واحد فبأن يتصور أشياء مختلفة الحقائق بذواتها في غير مكان أولى، وكون الوجود لا في مكان أخص صفاته سبحانه في حيز المنع بل الأخص أنه جل شأنه قيوم أي قائم بذاته وكل ما سواه قائم به وأنه تبارك وتعالى موجود بذاته وكل ما سواه تعالى موجود لا بذاته بل ليس للأشياء من ذواتها إلا العدم وإنما لها الوجود من غيرها على سبيل العارية، والوجود له سبحانه ذاتي غير مستعار فالقيومية ليس إلا لله عز وجل انتهى.
وهذا الذي قالوه من تجرد الروح خلاف ما عليه جمهور أهل السنة. قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي : قد خاض سائر الفرق غمرة الكلام في الروح فما ظفروا بطائل ولا رجعوا بنائل وفيها أكثر من ألف قول وليس فيها على ما قال ابن جماعة قول صحيح بل كلها قياسات وتجليات عقلية، وجمهور أهل السنة على أنها جسم لطيف يخالف الأجسام بالماهية والصفة متصرف في البدن حال فيه حلول الزيت في الزيتون والنار في الفحم يعبر عنه بأنا وأنت. وإلى ذلك ذهب إمام الحرمين، وقال اللقاني : جمهور المتكلمين على أنها جسم مخالف بالماهية للجسم الذي تتولد منه الأعضاء نوراني علوي خفيف حي لذاته نافذ في جوهر الأعضاء سار فيه سريان ماء الورد في الورد والنار في الفحم لا يتطرق إليه تبدل ولا انحلال بقاؤه في الأعضاء حياة وانفصاله عنها إلى عالم الأرواح موت.
وزعم بعضهم أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس وروحه عرض قائم به وعزاه بعض المتأخرين من المعاصرين إلى جمهور المتكلمين وجعله وامتناع اتحاد القابل والفاعل دليلاً على إبطال كون العبد خالقاً لأفعاله، وقد رد الإمام في التفسير ذلك الزعم وارتضى ما نقلناه عن الجمهور فقال : إن

تفسير هذه الآية من كتب أخرى