الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿رُّبَمَا﴾ ﴿رُبَ﴾ : فيها قولان، أحدُهما : أنها حرفُ جرٍّ، وزعم الكوفيون وأبو الحسن وابن الطَّراوة أنها اسم. ومعناها التقليلُ على المشهور. وقيل : تفيد التكثير. وقيل : تفيد التكثير في مواضعِ الافتخار كقوله :
فيا رُبَّ يومٍ قد لَهَوْتُ وليلةٍبآنسةٍ كأنها خطُّ تِمْثالِ
وقد أُجيب عن ذلك : بأنها لتقليل النظير. ودلائلُ هذه الأقوال في النحو. وفيها لغاتٌ كثيرةٌ أشهرها :" رُبَ " بالضم والتشديد، أو التخفيف، وبالثانية قرأ نافع وعاصم. و " رَبَ " بالفتح مع/ التشديد والتخفيف، ورُبْ ورَبْ بالضم والفتح مع السكون فيهما. وتتصل تاءُ التأنيث بكلِّ ذلك، وبالتاء قرأ طلحةُ بن مصرف وزيدُ بن علي : رُبَّتَما. وإذا اتصلت بها التاء جاز فيها الإِسكانُ والفتح كثُمَّت ولات، فتكثر الألفاظ، ولها أحكامٌ كثيرةٌ منها : لزومُ تصديرِها، ومنها تنكيرُ مجرورِها وقوله :
رُبَّما الجامِلِ المُؤَبَّلِ فيهمُوعَنَاجيجُ بينهنَّ المهَارى
ضرورةٌ في رواية مَنْ جَرًّ " الجامِل ". وتَجُرُّ ضميراً لازمَ التفسير بنكرةٍ بعده، يُستغنى بتثنيِتها وجمعِها وتانيثِها عن تثنية الضمير وجمعِه وتأنيثِه كقولِه "
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ورُبَّه عَطِباً أَنْقَذْتُ مِنْ عَطَبِهْ
والمطابقةُ نحو :" رُبَّهما رجلين " نادرةٌ. وقد يُعطف على مجرورِها ما أُضيف إلى ضميرِه نحو :" رُبَّ رجلٍ وأخيه ". وها يلزم وَصْفُ مجرورِها، ومُضِيُّ ما يتعلَّق به ؟ خلاف، والصحيحُ عدمُ ذلك. فمِنْ مجيئه غيرَ موصوفٍ قولُ هندٍ :
يا رُبَّ قائلةٍ غداًيا لهفَ أمِّ مُعاويهْ
ومن مجيء المستقبلِ قولُه :
فإنْ أَهْلَِكْ فربَّ فتىً سيبكيْعليَّ مهذَّبٍ رَخْصِ البَنانِ
وقولُها :" يا رُبَّ قائلةٍ غداً " البيت، وقول سليم :
ومعتصمٍ بالحيِّ من خشية الرَّدىسيُرْدى وغازٍ مُشْفِقٍ سَيَؤُوب
فإنَّ حرف التنفيس و " غداً " خَلَّصاه للاستقبالِ.
و " ما " في " رُبما " تحتمل وجهين، أظهرُهما : أنها المهيِّئَةُ، بمعنى : أن " رُبَّ " مختصةٌ بالأسماء، فلمَّا جاءت " ما " هَيَّأت دخولَها على الأفعال. وقد تقدَّم نظيرُ ذلك في " إنَّ " وأخواتها، وتَكُفُّها أيضاً عن العمل كقولِه :
رُبَّما الجامِلُ المُؤَبَّلُ. . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في روايةِ مَنْ رَفَعه، كما جَرَى ذلك في كاف التشبيه. والثاني : أنَّ " ما " نكرةٌ موصوفةٌ بالجملةِ الواقعة بعدها، والعائدُ على " ما " محذوفٌ، تقديره : رُبَّ شيءٍ يَوَدُّه الذين كفروا.
وقوله :﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ مَنْ لم يلتزمْ مُضِيَّ متعلِّقِها لم يَحْتَجْ إلى تأويلٍ، ومَنْ التَزَم ذلك قال : لأن المُتَرَقَّب في أخبار الله تعالى واقعٌ لا محالةَ، فعبَّر عنه بالماضي تحقيقاً لوقوعِه، كقوله :﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾
[النحل: ١] ونحوِه.
قوله :﴿لَوْ كَانُواْ﴾ يجوز في " لو " أن تكونَ الامتناعيةَ، وحينئذٍ يكون جوابُها محذوفاً. تقديره : لو كانوا مسلمين لسُرُّوا بذلك، أو لَخَلصوا ممَّا هم فيه. ومفعولُ " يَوَدُّ " محذوفٌ على هذا التقديرِ : أي : رُبَّما يودُّ الذين كفروا النجاةَ، دَلَّ عليه الجملةُ الامتناعية.
والثاني : أنها مصدرية عند مَنْ يرى ذلك كما تقدَّم تقريرُه في البقرة. وحينئذٍ يكون هذا المصدرُ هو المفعولَ للوَدادة، أي : يَوَدُّون كونَهم مسلمين، إنْ جعلنا " ما " كافةً، وإنْ جعلناها نكرةً كانت " لو " وما في حَيِّزِها بدلاً مِنْ " ما ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى