زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿رُّبَمَا﴾ وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي " ربما " مشددة. وقرأ نافع، وعاصم، وعبد الوارث " ربما " بالتخفيف. قال الفراء : أسد وتميم يقولون :" ربما " بالتشديد، وأهل الحجاز وكثير من قيس يقولون :" ربما " بالتخفيف. وتيم الرباب يقولون :" ربما " بفتح الراء. وقيل : إنما قرئت بالتخفيف، لما فيها من التضعيف، والحروف المضاعفة قد تحذف، نحو " إن " و " لكن " فإنهم قد خففوها. قال الزجاج : يقولون : رب رجل جاءني، ورب رجل جاءني، وأنشد :
أزهير إن يشب القذال فإننيرب هيضل مرس لففت بهيضل
هذا البيت لأبي كبير الهذلي، وفي ديوانه :
رب هيضل لجب لففت بهيضل ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والهيضل : جمع هيضلة، وهي الجماعة يغزى بهم، يقول : لففتهم بأعدائهم في القتال. و " رب " كلمة موضوعة للتقليل، كما أن " كم " للتكثير، وإنما زيدت " ما " مع " رب " ليليها الفعل، تقول : رب رجل جاءني، وربما جاءني زيد. وقال الأخفش : أدخل مع " رب " ما، ليتكلم بالفعل بعدها، وإن شئت جعلت " ما " بمنزلة " شيء "، فكأنك قلت : رب شيء، أي : رب ود يوده الذين كفروا. وقال أبو سليمان الدمشقي :" ما " ها هنا بمعنى " حين "، فالمعنى : رب حين يودون فيه.
واختلف المفسرون متى يقع هذا من الكفار، على قولين :
أحدهما : أنه في الآخرة. ومتى يكون ذلك ؟ فيه أربعة أقوال :
أحدها : أنه إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين : ألم تكونوا مسلمين ؟ قالوا : بلى، قالوا : فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار ؟ قالوا : كانت لنا ذنوب فأخذنا بها ؛ فسمع الله ما قالوا، فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فلما رأى ذلك الكفار، قالوا : يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما أخرجوا، رواه أبو موسى الأشعري عن النبي ﷺ، وذهب إليه ابن عباس في رواية وأنس بن مالك، ومجاهد، وعطاء، وأبو العالية، وإبراهيم. والثاني : أنه ما يزال الله يرحم ويشفع حتى يقول : من كان من المسلمين فليدخل الجنة، فذلك حين يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين، رواه مجاهد عن ابن عباس. والثالث : أن الكفار إذا عاينوا القيامة، ودوا لو كانوا مسلمين، ذكره الزجاج. والرابع : أنه كلما رأى أهل الكفر حالا من أحوال القيامة يعذب فيها الكافر ويسلم من مكروهها المؤمن، ودوا ذلك، ذكره ابن الأنباري.
والقول الثاني : أنه في الدنيا، إذا عاينوا وتبين لهم الضلال من الهدى وعلموا مصيرهم، ودوا ذلك، قاله الضحاك.
فإن قيل : إذا قلتم : إن " رب " للتقليل، وهذه الآية خارجه مخرج الوعيد، فإنما يناسب الوعيد تكثير ما يتواعد به ؟ فعنه ثلاثة أجوبة ذكرهما ابن الأنباري.
أحدهن : أن " ربما " تقع على التقليل والتكثير، كما يقع الناهل على العطشان والريان، والجون على الأسود والأبيض.
والثاني : أن أهوال القيامة وما يقع بهم من الأهوال تكثر عليهم، فإذا عادت إليهم عقولهم، ودوا ذلك.
والثالث : أن هذا الذي خوفوا به، لو كان مما يود في حال واحدة من أحوال العذاب، أو كان الإنسان يخاف الندم إذا حصل فيه ولا يتيقنه، لوجب عليه اجتنابه.
فإن قيل : كيف جاء بعد " ربما " مستقبل، وسبيلها أن يأتي بعدها الماضي، تقول : ربما لقيت عبد الله ؟
فالجواب : أن ما وعد الله حق، فمستقبله بمنزلة الماضي، يدل عليه قوله :﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٦] وقوله :﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] ﴿وَلَوْ تَرَى إِذَا فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١]، على أن الكسائي والفراء حكيا عن العرب أنهم يقولون : ربما يندم فلان، قال الشاعر :
ربما تجزع النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال

تفسير هذه الآية من كتب أخرى