الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿ربما يود الذين كفروا﴾ [ ٢ ].
أصل " رب " أن تدخل على النكرات، وأن تكون في صدر الكلام لمضارعتها " كم ". لأنها للتقليل كما أن " كم " للتكثير ولمضارعتها " لا " لأنها للتقليل، والتقليل أقرب شيء من النفي(١). ومن أجل كونها للتقليل(٢) لزمتها النكرة(٣).
وموضع " رب " وما عملت فيه، نصب [ يتعدى ](٤) الفعل الذي بعدها، كما تقول : مررت بزيد : فزيد في موضع نصب. ولذلك لم يؤت لها بخبر، كما يأتي لكم.
والفعل : الذي يتعلق به محذوف – وربما ظهر– وكل حرف جر فإنما يتعلق بما/ قبله إلا رب فإنها [ ت(٥) ] تعلق بما بعدها لأن لها صدر الكلام.
وإذا دخلت عليها " ما " كفتها عن العمل ووقعت الأفعال الماضية بعدها، تقول : ربما قام زيد، وربما جلس(٦) عمرو(٧). فإن وقعت الأسماء بعدها، جاز عملها، ولغوها تقول : ربما رجل رأيت. ويلزم النكرة التي تدخل " رب " عليها النعت.
فإن وقع بعدها مستقبل فعلى إضمار " كان " تقول : ربما يقوم زيد. تقديره ربما : كان يقوم زيد(٨).
فأما قوله تعالى :﴿ربما يود الذين كفروا﴾ [ ٢ ] وإنما جاز وقوع المستقبل بعدها في هذه(٩)[ الآية(١٠) ]. لأنه أمر واقع لا محالة، فصار بمنزلة الماضي الذي [ قد(١١) ] كان [ ووقع(١٢) ](١٣) فإن قلت " رب رجل سيقوم " أو " ليقومن " لم يجز إلا أن تريد(١٤) أنه يوصف بذلك.
وإذا اتصل(١٥) بربما مجهول(١٦) انتصب ما بعدها على التفسير. ولا يثنى ذلك المجهول ولا يجمع ولا يؤنث عند البصريين. وأجاز ذلك الكوفيون.
والمضمر الذي يتصل برب في تأويل نكرة ولفظه لفظ معرفة. وإنما كان نكرة لأنك لم تقصد به إلى مذكور بعينه تقدم ذكره، وإنما أظهر على شرطة التفسير بعده.
ولا موضع " لما " (١٧) في ربما لأنها زائدة. وأجاز(١٨) الأخفش(١٩) أن تكون " ما " نكرة في موضع خفض " برب " كأنه قال : ورب شيء، أو : رب : ود(٢٠).
ومعنى الآية : ربما تمنى الذين كفروا لو كانوا في الدنيا مسلمين. وذلك في قول : ابن عباس، وأنس(٢١)، حين يرى المشركون المسلمين من أهل الخطايا يخرجون من النار بإيمانهم، فيود عند ذلك المشركون لو كانوا مسلمين فيخرجون كما خرج هؤلاء المسلمون(٢٢). وذكر ابن عباس : أنه إذا اجتمع المشركون وأهل الذنوب من المسلمين في النار قال المشركون للمسلمين : ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون، قد اجتمعنا(٢٣)وإياكم. فيغضب الله عز وجل للمسلمين فيخرجهم بفضل رحمته فيقول المشركون عند ذلك ليتنا كنا مسلمين(٢٤).
وفي حديث ابن وهب : "... فيغضب الله لهم فيقول للملائكة والنبيين : اشفعوا، قال : فيشفعون لهم. فيخرجون حتى إن إبليس ليتطاول رجاء أن يخرج معهم(٢٥) ".
وقال مجاهد عن ابن عباس : يدخل الله المؤمنين الجنة حتى يقول في آخر ذلك : من كان مسلما فليدخل الجنة. فعند ذلك يتمنى المشركون لو كانوا مسلمين(٢٦).
وقيل : إن ذلك يكون من الكافر إذا عاين القيامة(٢٧).
وقيل : يكون منه ذلك التمني إذا عاين الموت(٢٨).
١ "ط": المعنى..
٢ في مغني اللبيب ١٨٠ "وليس معناها التقليل دائما" واستدل بالآية..
٣ انظر: معاني الزجاج ٣/١٧٣، والصاحبي ٢٢٨ والمحرر ١٠/١٠٧، ومغني اللبيب ١٨١..
٤ "ق": يتعدر..
٥ ساقط من "ق"..
٦ "ط": خرج..
٧ انظر: معاني الأخفش ٢/٦٠٢، ومعاني الزجاج ٣/١٧٣ والجامع ١٠/٣ والبيان ٦٣ وشرح ابن عقيل: ٢/٢/٣٢ ومغني اللبيب ١٨٢..
٨ انظر: المحرر ١٠/١٠٩ وزاد: "وقال أبو علي وهذا لا يجيزه سيبويه"..
٩ "ط": هذا..
١٠ ساقط من "ط"..
١١ انظر: المصدر السابق..
١٢ ساقط من "ق"..
١٣ وهو قول الكسائي والفراء. انظر: معاني الفراء ٢/٨٢ والمحرر ١٠/١٠٨، وإملاء ما من به الرحمن ٢/٧٢، والجامع ١٠/٣، ومغني اللبيب ٤٠٨ نسبه للرماني، والبيان ٦٣..
١٤ "ق": تريه..
١٥ "ق": التصل..
١٦ "ط": مجهوله..
١٧ "ق": لها..
١٨ "ق": وزاد..
١٩ "ق": الأخفش. وهو سعيد بن مسعدة الجاشعي بالولاء، البلخي ثم المصري، أبو الحسن المعروف بالأخفش الأوسط: نحوي عالم باللغة والأدب، توفي سنة ٢١٥ هـ. انظر: ترجمته في: وفيات الأعيان ٢/١٣٨٠ وبغية الوعاة ١/٥٩٠ والأعلام ٣/١٠٢..
٢٠ انظر: معاني الأخفش ٢/٦٠٢ وإعراب النحاس ٢/٣٧٦..
٢١ هو أنس بن مالك بن النضر الأنصاري، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى عنه وعن الخلفاء الأربعة، وروى عنه قتادة والزهري وابن سيرين توفي ٩٠ هـ. انظر: ترجمته في طبقات ابن الخياط ٩١ وطبقات ابن سعد ٧/١٧، وتذكرة الحفاظ ١/٤٤..
٢٢ "ق": المسلمين..
٢٣ "ط": جمعنا..
٢٤ انظر: قوله في جامع البيان ١٤/٢ -٣ ومعاني الزجاج ٣/١٧٢، ولم ينسبه والجامع ١٠/٣ رواية عن الحسن، والدر ٥/٦٢..
٢٥ وهو قول: إبراهيم أيضا. انظر جامع البيان ١٤/٣-٤ والدر ٥/٦٥..
٢٦ انظر: قوله في جامع البيان ١٤/٣ – ٥..
٢٧ وهو قول ابن عباس وقتادة ومجاهد، انظر جامع البيان ١٤/ ٣- ٥ ومعاني الزجاج ٣/١٧٢ ولم ينسبه، والدر المنثور ٥/٦٢..
٢٨ انظر: هذا القول في معاني الزجاج ٣/١٧٢ ولم ينسبه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى