اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ [الحجر: ٣] الآية، أي دعْ يا محمد، الكفَّار يأخذوا حظوظهم من دنياهم، فتلك خلاقهم، ولا خلاق لهم في الآخرةِ، ﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ يشغلهم " الأملًُ " عن الأخذ بحظِّهم من الإيمان والطَّاعة، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ إذا [ وردوا ](١) القيامة، وذاقوا وبال [ صنعهم ](٢) وهذا تهديدٌ ووعيدٌ.
وقال بعض العلماء :" ذَرْهُمْ "، تهديدٌ، و﴿سَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، تهديدٌ آخر، فمتى يهنأ العيش بين تهديدين ؟ ! والآية نسختها آية القتالِ.
قوله :" وذَرْهُمْ "، هذا الأمرُ لا يستعمل له ماضٍ إلا قليلاً ؛ استغناءً عنه ب " تَرَكَ "، بل يستعمل منه المضارع نحو :﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، ومن مجيء الماضي قوله -عليه الصلاة والسلام- " ذَرُوا الحَبشَة ما وَذَرتْكُم "، ومثله : دَعْ ويَدَعْ، ولا يقال : ودَعَ إلا نادراً، وقد قرئ :﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ [الضحى: ٣] مخففاً ؛ وأنشدوا :[ الرمل ]
أ- سَلْ أمِيري مَا الذي غَيَّرهُعَنْ وصَالِي اليَوْمَ حتَّى وَدَعهْ ؟(٣)
و " يَأكلُوا " مجزومٌ على جواب الأمر، وقد تقدم [البقرة: ١٧، ٢٧٨] أنَّ " تَرَكَ " و " وَذرَ " يكونان بمعنى " صيَّر "، فعلى هذا يكون المفعول الثاني محذوفاً، أي : ذرهُم مهملين.
قوله تعالى :﴿وَيُلْهِهِمُ الأمل﴾، يقال : لهيتُ عن الشَّيء ألهى لُهِيَّا ؛ جاء في الحديث : أنَّ ابن الزبير -رضي الله عنه- كان إذا سمع صوت الرَّعدِ لَهِيَ عن الحديث " (٤).
قال الكسائيُّ، والأصمعيُّ : كلُّ شيءٍ تركتهُ، فقد لهيتهُ ؛ وأنشد :[ الكامل ]
ب- صَرمتْ حِبالَكَ فالْهَ عَنْهَا زَيْنَبُ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي : اتركها، وأعرض عنها.

فصل في سبب شقاء العبد


قال القرطبي : أربعةٌ من الشقاءِ ؛ جمودُ العين، وقساوة القلبِ، وطُولُ الأملِ، والحرصُ على الدُّنيا.
فطُول الأملِ : داء عضالٌ، ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، واشتدَّ علاجه، ولم يفارقه داءٌ، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطبَّاء، ويئس من بُرئه الحكماء والعلماء.
وحقيقة الأمل : الحرص على الدنيا، والانكباب عليها، والحبُّ لها، والإعراض عن الآخرة، قال -صلوات الله وسلامه عليه- :" نَجَا أوَّلُ هذهِ الأمَّة باليَقِينِ والزُّهْدِ، ويهْلِكُ آخِرُهَا بالبُخْلِ والأمَلِ " (٥).
وقال الحسن : ما أطال عبدٌ الأمل، إلا أساء العمل(٦).
١ في ب: رأوا..
٢ في أ: سفههم..
٣ البيت لسويد بن أبي اليشكري. ينظر: اللسان "ودع"، الخصائص ١/٩٩، المحتسب ٢/٣٤، الخزانة ٥/١٥٠، الإنصاف ٢/٤٨٥، شرح شواهد الشافية ٥٣ والدر المصون ٤/٢٨٧..
٤ ذكره البغوي في "تفسيره" ٣/١١..
٥ ذكره الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (٤/٤٥٤) وقال: أخرجه ابن أبي الدنيا في "قصر الأمل" من رواية ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وللحديث لفظ آخر: صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين ويهلك آخرهم بالبخل والأمل.
ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/١٧٤) وعزاه إلى أحمد في الزهد والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في "شعب الإيمان".
وذكره الهيثمي في "المجمع" (١٠/٢٨٩) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم..

٦ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٠/٤)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى