مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
﴿ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون، قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم، قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون، قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين، قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون﴾
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير أمر النبوة ثم أردفه بذكر دلائل التوحيد، ثم ذكر عقيبه أحوال القيامة وصفة الأشقياء والسعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام ليكون سماعها مرغبا في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأنبياء، ومحذرا عن المعصية لاستحقاق دركات الأشقياء، فبدأ أولا بقصة إبراهيم عليه السلام، والضمير في قوله :﴿ونبئهم﴾ راجع إلى قوله :﴿عبادي﴾ والتقدير : ونبئ عبادي عن ضيف إبراهيم، يقال : أنبأت القوم إنباء ونبأتهم تنبئة إذا أخبرتهم، وذكر تعالى في الآية أن ضيف إبراهيم عليه السلام بشروه بالولد بعد الكبر. وبإنجاء المؤمنين من قوم لوط من العذاب وأخبروه أيضا بأنه تعالى سيعذب الكفار من قوم لوط بعذاب الاستئصال، وكل ذلك يقوي ما ذكره من أنه غفور رحيم للمؤمنين، وأن عذابه عذاب أليم في حق الكفار.
المسألة الثانية : الضيف في الأصل مصدر ضاف يضيف إذا أتى إنسانا لطلب القرى، ثم سمي به، ولذلك وحد في اللفظ وهم جماعة.
فإن قيل : كيف سماهم ضيفا مع امتناعهم عن الأكل ؟
قلنا : لما ظن إبراهيم أنهم إنما دخلوا عليه لطلب الضيافة جاز تسميتهم بذلك. وقيل أيضا : إن من يدخل دار الإنسان ويلتجئ إليه يسمى ضيفا وإن لم يأكل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى