الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ : فيه وجهان : أحدُهما : أنه استثناءٌ مِنْ آل لوط. قال أبو البقاء :" والاستثناءُ إذا جاء بعد الاستثناءِ كان الاستثناءُ الثاني مضافاً إلى المبتدأ كقولِك :" له عندي عشرةٌ إلا أربعةً إلا درهماً " فإنَّ الدرهمَ يُستثنى من الأربعة، فهو مضافٌ إلى العشرة، فكأنك قلت : أحد عشر إلا أربعةً، أو عشرة إلا ثلاثةً ".
الثاني : أنَّها مستثناةٌ من الضمير المجرور في " مُنجُّوهم ". وقد مَنَعَ الزمخشريُّ الوجهَ الأول، وعَيَّن الثاني فقال :" فإن قلتَ : فقوله :" إلا امرأته " مِمَّ استثني ؟ وهل هو استثناءٌ مِنْ استثناءٍ ؟ قلت : مستثنى من الضمير المجرور في قوله " لمنجُّوهُمْ " وليس من الاستثناء من الاستثناء في شيءٍ ؛ لأنَّ الاستثناءَ من الاستثناء إنما يكونُ فيما اتَّحد الحكمُ فيه، وأن يقالَ : أهلكناهم إلا آلَ لوطٍ إلا امرأتَه، كما اتحد في قولِ المُطْلَق : أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدةً، وقولِ المُقِرِّ لفلان : عليَّ عشرةٌ إلا ثلاثةً إلا درهماً، وأمَّا الآيةُ فقد اختلف الحكمان لأنَّ ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ﴾ متعلقٌ ب " أَرْسَلْنا " أو بمجرمين، و ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ قد تعلَّق بقولِه " لمنجُّوهم " فأنَّى يكون استثناءً من استثناء " ؟
قال الشيخ :" ولمَّا استسلف الزمخشريُّ أن " امرأته " استثناءٌ من الضمير في لمنجُّوهم " أنى أن يكون استثناءً من استثناء ؟ ومَنْ قال إنه استثناءٌ من استثناء فيمكن تصحيحُ قولِه بأحدِ وجهين، أحدُهما : أنَّه لمَّا كان " امرأتَه " مستثنى من الضمير في " لمُنجُّوهم " وهو عائدٌ على آلِ لوط صار كأنه مستثنى مِن آلِ لوط، لأنَّ المضمرَ هو الظاهر. والوجهُ الآخر : أن قولَه ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ﴾ لمَّا حَكَمَ عليهم بغيرِ الحكم الذي حَكَم به على قومٍ مجرمين اقتضى ذلك نجاتَهم فجاء قولُه :﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تاكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى : إلا آلَ لوط لم يُرْسَلْ إليهم بالعذاب، ونجاتُهم مترتبةٌ على عدمِ الإِرسال إليهم بالعذاب، فصار نظيرَ قولِك :" قام القومُ إلا زيداً لم يَقُمْ "، أو " إلا زيداً فإنه لم يَقُمْ "، فهذه الجملةُ تأكيدٌ لِما تَضَمَّن الاستثناءُ من الحكم على ما بعد إلاّ بضدِّ الحكم السابق على المستثنى منه، ف " إلا امرأته " على هذا التقريرِ الذي قَرَّرْناه مستثنى مِنْ آل لوط، لأنَّ الاستثناءَ ممَّا جيء به للتأسيسِ أَوْلَى من الاستثناءِ ممَّا جِيْءَ به للتأكيد ".
وقرأ الأخوان " لمُنَجُوْهم " مخفَّفاً، وكذلك خَفَّفا أيضاً فِعْلَ هذه الصفةِ في قولِه تعالى في العنكبوت :﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [ الآية : ٣٢ ] وكذلك خَفَّفا أيضاً قولَه فيها :﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ [ الآية : ٣٣ ] فهما جاريان على سَنَنٍ واحد.
وقد وافقهما ابنُ كثير/ وأبو بكر على تخفيف " مُنْجوك " كأنهما جمعا بين اللغتين. وباقي السبعة بتشديد الكلِّ، والتخفيفُ والتشديدُ لغتان مشهورتان مِنْ نَجَّى وأَنْجَى كأَنْزَلَ ونَزَّل، وقد نُطِقَ بفعلهما قال :﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾
[العنكبوت: ٦٥] وفي موضعٍ آخرَ ﴿أَنجَاهُمْ﴾ [يونس: ٢٣].
قوله :" قَدَّرْناها " أبو بكر بتخفيف [ الدال ] والباقون بتشديدها، وهما لغتان : قَدَرَ وقدَّر، وهذا الخلافُ أيضاً جارٍ في سورة النمل.
قوله :" إنَّها " كُسِرتْ من أجلِ اللامِ في خبرها وهي معلِّقةٌ لِما قبلها، لأنَّ فِعْلَ التقديرِ يُعَلَّقُ إجراءً له مُجْرى العِلْم : إمَّا لكونِه بمعناه، وإمَّا لأنَّه مترتِّبٌ عليه. قال الزمخشري :" فإن قلتَ " لِمَ جاز تعليقُ فِعْلِ التقدير في قوله " قَدَّرْنَآ إِنَّهَا "، والتعليق مِنْ خصائصِ أفعالِ القلوب ؟ قلت : لتضمُّنِ فِعْلِ التقدير معنى العِلْمِ ". قال الشيخ :" وكُسِرَتْ " إنها " إجراءً لفعل التقدير مُجْرى العِلْم ". قلت : وهذا لا يَصِحُّ علةً لكسرِها، إنما يَصْلُحُ علةً لتعليقِها الفعلَ قبلها، والعلةُ في كسرِها ما قَدَّمْتُه في وجودِ اللامِ ولولاها لفُتِحَتْ.
الثاني : أنَّها مستثناةٌ من الضمير المجرور في " مُنجُّوهم ". وقد مَنَعَ الزمخشريُّ الوجهَ الأول، وعَيَّن الثاني فقال :" فإن قلتَ : فقوله :" إلا امرأته " مِمَّ استثني ؟ وهل هو استثناءٌ مِنْ استثناءٍ ؟ قلت : مستثنى من الضمير المجرور في قوله " لمنجُّوهُمْ " وليس من الاستثناء من الاستثناء في شيءٍ ؛ لأنَّ الاستثناءَ من الاستثناء إنما يكونُ فيما اتَّحد الحكمُ فيه، وأن يقالَ : أهلكناهم إلا آلَ لوطٍ إلا امرأتَه، كما اتحد في قولِ المُطْلَق : أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدةً، وقولِ المُقِرِّ لفلان : عليَّ عشرةٌ إلا ثلاثةً إلا درهماً، وأمَّا الآيةُ فقد اختلف الحكمان لأنَّ ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ﴾ متعلقٌ ب " أَرْسَلْنا " أو بمجرمين، و ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ قد تعلَّق بقولِه " لمنجُّوهم " فأنَّى يكون استثناءً من استثناء " ؟
قال الشيخ :" ولمَّا استسلف الزمخشريُّ أن " امرأته " استثناءٌ من الضمير في لمنجُّوهم " أنى أن يكون استثناءً من استثناء ؟ ومَنْ قال إنه استثناءٌ من استثناء فيمكن تصحيحُ قولِه بأحدِ وجهين، أحدُهما : أنَّه لمَّا كان " امرأتَه " مستثنى من الضمير في " لمُنجُّوهم " وهو عائدٌ على آلِ لوط صار كأنه مستثنى مِن آلِ لوط، لأنَّ المضمرَ هو الظاهر. والوجهُ الآخر : أن قولَه ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ﴾ لمَّا حَكَمَ عليهم بغيرِ الحكم الذي حَكَم به على قومٍ مجرمين اقتضى ذلك نجاتَهم فجاء قولُه :﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تاكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى : إلا آلَ لوط لم يُرْسَلْ إليهم بالعذاب، ونجاتُهم مترتبةٌ على عدمِ الإِرسال إليهم بالعذاب، فصار نظيرَ قولِك :" قام القومُ إلا زيداً لم يَقُمْ "، أو " إلا زيداً فإنه لم يَقُمْ "، فهذه الجملةُ تأكيدٌ لِما تَضَمَّن الاستثناءُ من الحكم على ما بعد إلاّ بضدِّ الحكم السابق على المستثنى منه، ف " إلا امرأته " على هذا التقريرِ الذي قَرَّرْناه مستثنى مِنْ آل لوط، لأنَّ الاستثناءَ ممَّا جيء به للتأسيسِ أَوْلَى من الاستثناءِ ممَّا جِيْءَ به للتأكيد ".
وقرأ الأخوان " لمُنَجُوْهم " مخفَّفاً، وكذلك خَفَّفا أيضاً فِعْلَ هذه الصفةِ في قولِه تعالى في العنكبوت :﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [ الآية : ٣٢ ] وكذلك خَفَّفا أيضاً قولَه فيها :﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ [ الآية : ٣٣ ] فهما جاريان على سَنَنٍ واحد.
وقد وافقهما ابنُ كثير/ وأبو بكر على تخفيف " مُنْجوك " كأنهما جمعا بين اللغتين. وباقي السبعة بتشديد الكلِّ، والتخفيفُ والتشديدُ لغتان مشهورتان مِنْ نَجَّى وأَنْجَى كأَنْزَلَ ونَزَّل، وقد نُطِقَ بفعلهما قال :﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾
[العنكبوت: ٦٥] وفي موضعٍ آخرَ ﴿أَنجَاهُمْ﴾ [يونس: ٢٣].
قوله :" قَدَّرْناها " أبو بكر بتخفيف [ الدال ] والباقون بتشديدها، وهما لغتان : قَدَرَ وقدَّر، وهذا الخلافُ أيضاً جارٍ في سورة النمل.
قوله :" إنَّها " كُسِرتْ من أجلِ اللامِ في خبرها وهي معلِّقةٌ لِما قبلها، لأنَّ فِعْلَ التقديرِ يُعَلَّقُ إجراءً له مُجْرى العِلْم : إمَّا لكونِه بمعناه، وإمَّا لأنَّه مترتِّبٌ عليه. قال الزمخشري :" فإن قلتَ " لِمَ جاز تعليقُ فِعْلِ التقدير في قوله " قَدَّرْنَآ إِنَّهَا "، والتعليق مِنْ خصائصِ أفعالِ القلوب ؟ قلت : لتضمُّنِ فِعْلِ التقدير معنى العِلْمِ ". قال الشيخ :" وكُسِرَتْ " إنها " إجراءً لفعل التقدير مُجْرى العِلْم ". قلت : وهذا لا يَصِحُّ علةً لكسرِها، إنما يَصْلُحُ علةً لتعليقِها الفعلَ قبلها، والعلةُ في كسرِها ما قَدَّمْتُه في وجودِ اللامِ ولولاها لفُتِحَتْ.