اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿امرأته﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أنه استثناء من " ل لُوطٍ ". قال أبو البقاء -رحمه الله- :" والاستثناء إذا جاء عبد الاستثناء كان الاستثناء الثاني مضافاً إلى المبتدأ كقولك :" لهُ عِندِي عشرةٌ إلا أربعة إلا درهماً " فإن الدرهم يستثنى من الأربعة، فهو مضاف إلى العشرة، فكأنك قلت : أحد عشرة إلاَّ أربعة، أو عشرة إلاَّ ثلاثة ".
والثاني : أنها مستثناةٌ من الضمير المجرور في قوله " لمُنَجوهمْ ".
وقد منع الزمخشري -رحمه الله- الوجه الأول، وعيَّن الثاني فقال :" فإن قلت : قوله :" إلا امرأتهُ " مِمَّ استثني ؟ وهل هو استثناء من استثناء ؟.
قلت : مستثنى من الضمير المجرور في قوله :" لمُنَجُّوهم "، وليس من الاستثناء في شيء ؛ لأن الاستثناء من الاستثناء إنَّما يكون فيما اتَّحد الحكم فيه، وأن يقال : أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأتهُ، كما اتَّحد في قول المطلِّق : أنت طالقٌ ثلاثاً إلا اثنين إلا واحدة، وقول المقرّ : لفلان علي عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهماً، وأما الآية فقد اختلف الحكمان ؛ لأنّ :" آل لوطٍ " متعلق ب " أرْسَلْنَا " أو ب :" مُجرمِينَ "، و " إلاَّ امْرأتهُ " قد تعلَّق بقوله :" لمُنجوهم " فأنَّى يكون استثناء من استثناء ".
قال أبو حيَّان(٤) : ولما استسلف الزمخشري أنَّ " امرأتهُ " استثناء من الضمير في " لمُنجُّوهم " أبى أن يكون استثناء من استثناء، ومن قال : إنه استثناء من استثناء، فيمكن [ تصحيح قوله ](٥) بأحد وجهين :
أحدهما : أنه لما كان امرأته مستثنى من الضمير في " لمُنَجوهُم "، وهو عائدٌ على " آل لوطٍ " صار كأنَّه مستثنى من :" آل لوطٍ " ؛ لأنَّ المضمر هو الظاهر.
والوجه الآخر : أن قوله " إلاَّ آل لوطٍ " لمَّا حكم عليهم بغير الحكم الذي حكم به على قوم مجرمين، اقتضى ذلك نجاتهم فجاء قوله :﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تأكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى : إلا آل لوط لم نرسل إليهم بالعذاب، ونجاتهم مرتبة على [ عدم ](٦) الإرسال إليهم بالعذاب، فصار نظير ذلك : قام القومُ إلاَّ زيداً لم يقم أو إلاَّ زيداً فإنه لم يقم، فهذه الجملة تأكيدٌ لما تضمَّنهُ الاستثناء من الحكم على ما بعد إلاَّ بضدِّ الحكم السَّابق على المستثنى منه، ف :" إلاَّ امْرَأتهُ " على هذا التقدير الذي قرَّرناه مستثنى من :" آلَ لُوطٍ " ؛ لأنَّ الاستثناء ممَّا جيء به للتَّأسيس أولى من الاستثناء ممَّا جيء به للتأكيد.
قوله " قدَّرْنَا " قرأ أبو بكر(٧) ههنا، وفي سورة النمل بتخفيف الدَّال، والباقون بتشديدها، وهما لغتان : قَدَّر، وقَدَر.
قوله :" إنَّها " كسرت من أجل اللاّم في خبرها، ولولا [ لَفُتِحَتْ ](٨)، وهي معلقة لما قبلها ؛ لأنَّ فعل التقدير قد يعلق إجراء له مجرى العلم إمَّا لكونه بمعناه، وإمَّا لأنه مترتب عليه.
قال الزمخشري(٩) :" فإن قلت : لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله :﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾، والتعليق من خصائص أفعال القلوب ؟ قلت : لتضمن فعل التقدير معنى العلم ".
قال أبو حيَّان(١٠) -رحمه الله تعالى- " وكسرت " إِنَّها " إجراء لفعل التقدير مجرى العلم ".
وهذا لا يصحُّ علة لكسرها، إنَّما يصحُّ علةً لتعليقها الفعل قبلها.
معنى التقدير في اللغة : جعل الشيء على مقدار غيره، يقال : قدر هذا الشيء بهذا، أي : اجعله على مقداره، وقدَّر الله –سبحانه- الأقوات، أي : جعلها على مقدار الكفاية، ثمَّ يفسر التقدير بالقضاء فيقال : قضى الله عليه، وقَدرَ عليه، أي : جعله على مقدار ما يكفي في الخير، والشر. وقيل : معنى :" قَدَّرْنَا " كتبنا. وقال الزجاج : دبرنا. فإن [ قيل ](١١) لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله عزَّ وجلَّ ؟
فالجواب : إنَّما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله، كما يقول خاصة الملك : دبرنا كذا [ وأمرنا بكذا ](١٢)، والمدبر، والآمر هو الملك لا هم، وإنَّما يريدون بهذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك، فكذا هنا.
قوله تعالى :﴿إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ في موضع مفعول، التقدير : قضينا أنها تتخلف، وتبقى مع من يبقى حتَّى يهلك، فتلحق بالهالكين.
أحدهما : أنه استثناء من " ل لُوطٍ ". قال أبو البقاء -رحمه الله- :" والاستثناء إذا جاء عبد الاستثناء كان الاستثناء الثاني مضافاً إلى المبتدأ كقولك :" لهُ عِندِي عشرةٌ إلا أربعة إلا درهماً " فإن الدرهم يستثنى من الأربعة، فهو مضاف إلى العشرة، فكأنك قلت : أحد عشرة إلاَّ أربعة، أو عشرة إلاَّ ثلاثة ".
والثاني : أنها مستثناةٌ من الضمير المجرور في قوله " لمُنَجوهمْ ".
وقد منع الزمخشري -رحمه الله- الوجه الأول، وعيَّن الثاني فقال :" فإن قلت : قوله :" إلا امرأتهُ " مِمَّ استثني ؟ وهل هو استثناء من استثناء ؟.
قلت : مستثنى من الضمير المجرور في قوله :" لمُنَجُّوهم "، وليس من الاستثناء في شيء ؛ لأن الاستثناء من الاستثناء إنَّما يكون فيما اتَّحد الحكم فيه، وأن يقال : أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأتهُ، كما اتَّحد في قول المطلِّق : أنت طالقٌ ثلاثاً إلا اثنين إلا واحدة، وقول المقرّ : لفلان علي عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهماً، وأما الآية فقد اختلف الحكمان ؛ لأنّ :" آل لوطٍ " متعلق ب " أرْسَلْنَا " أو ب :" مُجرمِينَ "، و " إلاَّ امْرأتهُ " قد تعلَّق بقوله :" لمُنجوهم " فأنَّى يكون استثناء من استثناء ".
قال أبو حيَّان(٤) : ولما استسلف الزمخشري أنَّ " امرأتهُ " استثناء من الضمير في " لمُنجُّوهم " أبى أن يكون استثناء من استثناء، ومن قال : إنه استثناء من استثناء، فيمكن [ تصحيح قوله ](٥) بأحد وجهين :
أحدهما : أنه لما كان امرأته مستثنى من الضمير في " لمُنَجوهُم "، وهو عائدٌ على " آل لوطٍ " صار كأنَّه مستثنى من :" آل لوطٍ " ؛ لأنَّ المضمر هو الظاهر.
والوجه الآخر : أن قوله " إلاَّ آل لوطٍ " لمَّا حكم عليهم بغير الحكم الذي حكم به على قوم مجرمين، اقتضى ذلك نجاتهم فجاء قوله :﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تأكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى : إلا آل لوط لم نرسل إليهم بالعذاب، ونجاتهم مرتبة على [ عدم ](٦) الإرسال إليهم بالعذاب، فصار نظير ذلك : قام القومُ إلاَّ زيداً لم يقم أو إلاَّ زيداً فإنه لم يقم، فهذه الجملة تأكيدٌ لما تضمَّنهُ الاستثناء من الحكم على ما بعد إلاَّ بضدِّ الحكم السَّابق على المستثنى منه، ف :" إلاَّ امْرَأتهُ " على هذا التقدير الذي قرَّرناه مستثنى من :" آلَ لُوطٍ " ؛ لأنَّ الاستثناء ممَّا جيء به للتَّأسيس أولى من الاستثناء ممَّا جيء به للتأكيد.
قوله " قدَّرْنَا " قرأ أبو بكر(٧) ههنا، وفي سورة النمل بتخفيف الدَّال، والباقون بتشديدها، وهما لغتان : قَدَّر، وقَدَر.
قوله :" إنَّها " كسرت من أجل اللاّم في خبرها، ولولا [ لَفُتِحَتْ ](٨)، وهي معلقة لما قبلها ؛ لأنَّ فعل التقدير قد يعلق إجراء له مجرى العلم إمَّا لكونه بمعناه، وإمَّا لأنه مترتب عليه.
قال الزمخشري(٩) :" فإن قلت : لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله :﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾، والتعليق من خصائص أفعال القلوب ؟ قلت : لتضمن فعل التقدير معنى العلم ".
قال أبو حيَّان(١٠) -رحمه الله تعالى- " وكسرت " إِنَّها " إجراء لفعل التقدير مجرى العلم ".
وهذا لا يصحُّ علة لكسرها، إنَّما يصحُّ علةً لتعليقها الفعل قبلها.
فصل
معنى التقدير في اللغة : جعل الشيء على مقدار غيره، يقال : قدر هذا الشيء بهذا، أي : اجعله على مقداره، وقدَّر الله –سبحانه- الأقوات، أي : جعلها على مقدار الكفاية، ثمَّ يفسر التقدير بالقضاء فيقال : قضى الله عليه، وقَدرَ عليه، أي : جعله على مقدار ما يكفي في الخير، والشر. وقيل : معنى :" قَدَّرْنَا " كتبنا. وقال الزجاج : دبرنا. فإن [ قيل ](١١) لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله عزَّ وجلَّ ؟
فالجواب : إنَّما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله، كما يقول خاصة الملك : دبرنا كذا [ وأمرنا بكذا ](١٢)، والمدبر، والآمر هو الملك لا هم، وإنَّما يريدون بهذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك، فكذا هنا.
قوله تعالى :﴿إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ في موضع مفعول، التقدير : قضينا أنها تتخلف، وتبقى مع من يبقى حتَّى يهلك، فتلحق بالهالكين.