كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ ؛ أي الْمُعَلْمُ بموضعِ المخافة، الْمُبينُ لكم بلُغةٍ تصدِّقونَها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ ؛ قال الحسنُ :(مَعْنَاهُ : وَأنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ كَمَا أنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى). سَمَّاهم مُقتَسِمينَ ؛ لأنَّهم اقتَسَموا كُتُبَ اللهِ تعالى، فآمَنُوا ببعضِها وكَفَرُوا ببعضِها، وهمُ، ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ ؛ أي فرَّقوهُ فآمَنُوا ببعضهِ وهو ما وافقَ دينَهم، وكفَرُوا ببعضهِ وهو ما خالفَ دينهم،
وقال بعضُهم : رهطٌ من أهلِ مكَّة، قال مقاتلُ :(سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلاً بَعَثَهُمُ الْوَلِيدُ ابْنُ الْمُغِيرَةِ أيَّامَ الْمَوْسِمِ، فَاقْتَسَمُواْ الأعْقَابَ، وَقَعَدُواْ عَلَى طَرِيقِهَا، فَإذا جَاءَ الْحُجَّاجُ قَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ : لاَ تَغْتَرُّوا بهَذا الْخَارجِ مِنَّا الْمُدَّعِي النُّبُوَّةَ فَإنَّهُ مَجْنُونٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى عَلَى طَرِيقٍ أُخْرَى : إنَّهُ كاَهِنٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : شَاعِرٌ، وَالْوَلِيدُ قَاعِدٌ عَلَى بَاب الْمَسْجِدِ نَصَّبُوهُ حَكَماً، فَإذا سُئِلَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ : صَدَقَ أُوْلَئِكَ يَعْنِي الْمُقْتَسِمِينَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ هم هؤلاءِ المقتَسِمين جَزَّءُوا القرآن، فقالَ بعضُهم : سحرٌ، وقال بعضهم : كَذِبٌ، وقال بعضُهم : شِعرٌ، وقال بعضُهم : أساطيرُ الأوَّلين، وقال بعضُهم : مُفترَى. ومعنى التَّعْضِيَة : التفريقُ، يقالُ : عَضَيْتُ الشيءَ إذا فرَّقتَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ أي في الآخرةِ، ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ مِن تفريقِ القرآن، وصَرفِهم الناسَ عن دينِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم.
وعن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ وفي هذهِ الآية قالَ :" فَوَرَبكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ قَوْلِ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ " وَقَالَ عبدُالله :(وَالَّذِي لاَ إلَهَ غَيْرُهُ مَا مِنْكُمْ أحَدٌ إلاَّ وَيَسْأَلُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ مَاذا عَمِلْتَ ؟ يَا ابْنَ آدَمَ مَاذا أجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ).
واعترضت الْمُلْحِدَةُ على هذه الآيةِ، وعلى قولهِ تعالى﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾[الرحمن: ٣٩] وحكَمُوا عليهم بالتناقُضِ!
والجوابُ : إنه لا يقالُ لهم هل عملتم كذا ؛ لأنه أعلَمُ بذلكَ منهم، ولكن نقولُ لَهم : لِمَ عملتم كذا، وقال قطربُ :(السُّؤَالُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : سُؤَالُ اسْتِعْلاَمٍ وَاسْتِخْبَارٍ، وَسُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَوْبيخٍ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾[الرحمن: ٣٩] يَعْنِي لاَ يَسْأَلُهُمْ سُؤَالَ اسْتِخْبَارٍ ؛ لأنَّهُ عَالِمٌ قَبْلَ أنْ يَخْلِقَهُمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ سُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَقْرِيعٍ).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى