مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعملون﴾.
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قوله :﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ يحتمل أن يكون راجعا إلى المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين، لأن عود الضمير إلى الأقرب أولى، ويكون التقدير أنه تعالى أقسم بنفسه أن يسأل هؤلاء المقتسمين عما كانوا يقولونه من اقتسام القرآن وعن سائر المعاصي، ويحتمل أن يكون راجعا إلى جميع المكلفين لأن ذكرهم قد تقدم في قوله :﴿وقل إني أنا النذير المبين﴾ أي لجميع الخلق وقد تقدم ذكر المؤمنين وذكر الكافرين، فيعود قوله :﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ على الكل، ولا معنى لقول من يقول إن السؤال إنما يكون عن الكفر أو عن الإيمان، بل السؤال واقع عنهما وعن جميع الأعمال، لأن اللفظ عام فيتناول الكل.
فإن قيل : كيف الجمع بين قوله :﴿فوربك لنسألنهم﴾ وبين قوله :﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ أجابوا عنه من وجوه :
الوجه الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا يسألون سؤال الاستفهام لأنه تعالى عالم بكل أعمالهم، وإنما يسألون سؤال التقريع يقال لهم لم فعلتم كذا ؟
ولقائل أن يقول : هذا الجواب ضعيف، لأنه لو كان المراد من قوله :﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ سؤال الاستفهام لما كان في تخصيص هذا النفي بقوله يومئذ فائدة لأن مثل هذا السؤال على الله تعالى محال في كل الأوقات.
والوجه الثاني : في الجواب أن يصرف النفي إلى بعض الأوقات، والإثبات إلى وقت آخر، لأن يوم القيامة يوم طويل.
ولقائل أن يقول : قوله ؛ ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ هذا تصريح بأنه لا يحصل السؤال في ذلك اليوم، فلو حصل السؤال في جزء من أجزاء ذلك اليوم لحصل التناقض.
والوجه الثالث : أن نقول : قوله :﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ يفيد عموم النفي وقوله :﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ عائد إلى المقتسمين وهذا خاص، ولا شك أن الخاص مقدم على العام.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى