الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ في الدين، والولاية ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ إذا اختلفا، واقتتلا، وقرأ ابن سيرين، ويعقوب. بين ( اخوتكم ) ( بالتاء ) على الجمع، وقرأ الحسن ( إخوانكم ) ( بالألف ) و( النون ).
﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ فلا تعصوه ولا تخالفوا أمره ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
قال أبو عثمان البصري : أخوة الدّين أثبت من أخوّة النسب، فإنّ اخوّة النسب تنقطع لمخالفة الدين، وأُخوّة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب. وسُئل الجنيد عن الأخ، فقال : هو أنت في الحقيقة إلاّ إنّه غيرك في الشخص. أخبرني ابن منجويه، قال : حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال : حدّثنا محمّد بن إسحاق المسوحي. قال : حدّثنا عمرو بن علي، قال : حدّثنا أبو عاصم. قال : حدّثنا إسماعيل بن رافع، عن ابن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ " المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يعيبه، ولا يخذله، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عليه الريح إلاّ بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره إلاّ أن يعرف له، ولا يشتري لبنيه الفاكهة، فيخرجون بها إلى صبيان جاره، ولا يطعمونهم منها ".
قال رسول الله ﷺ " احفظوا، ولا يحفظه منكم إلاّ قليل ".
وفي هاتين الآيتين دليل على انّ البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأنّ الله سبحانه وتعالى سمّاهم أخوة مؤمنين مع كونهم باغين، عاصين. يدلّ عليه ما روى الأعور أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه سُئل وهو القدوة في قتال أهل البغي، عن أهل الجمل، وصفّين، أمشركون هم ؟ فقال : لا، من الشرك فرّوا. فقيل : أهم منافقون ؟ فقال : إنّ المنافقين لا يذكرون الله إلاّ قليلاً. قيل : فما حالهم ؟ قال : إخواننا بغوا علينا.
وقد أخبرني ابن منجويه، قال : حدّثنا ابن شنبه، قال : حدّثنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبّار الصوفي قال : حدّثنا أبو نصر التمّار، قال : حدّثنا كوثر، عن نافع، عن ابن عمر أنّ النبيّ ﷺ قال :" يا عبد الله هل تدري كيف حكم الله سبحانه فيمن بغى من هذه الأُمّة ؟ ".
قال : الله ورسوله أعلم. قال :" لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها " وسُئل محمّد بن كعب القرظي عن هاتين الآيتين، فقال : جعل النبيّ ﷺ أجر المصلح بين الناس، كأجر المجاهد عند الناس، وقال بكر بن عبد الله : امش ميلاً، وعد مريضاً، امش ميلين، وأصلح بين اثنين، امش ثلاثة أميال، وزر أخاك في الله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى