التفسير المظهري — المظهري

عن الكتاب
روى البخاري وغيره من طريق ابن جريج عن أبي مليكة أن عبد الله ابن الزبير أخبره أنه قدم ركب من بني تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر أمّر القعقاع ابن معبد وقال عمر بل أمر الأقرع ابن الحابس فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي وقال عمر ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا﴾(١) إلى قوله تعالى ﴿ولو أنهم صبروا﴾ الآية، قرأ يعقوب لا تقدموا بفتح التاء والدال من التقدم بحذف إحدى التائين والجمهور بضم التاء وكسر الدال من التقديم، قال البغوي هو أيضا لازم بمعنى التقديم مثل بين وتبين وقيل إنه متعد والمفعول محذوف ليذهب الوهم إلى كل ما يمكن أن لا تقدموا قولا ولا فعلا أو متروك، ونزل الفعل منزلة اللازم يعني لا يصدر منكم التقديم ﴿بين يدي الله ورسوله﴾ بين يدي مستعارة مما بين الجهتين المسامتين ليمينه وشماله قريبا منه ففيه تمثيل للتقدم الزماني بالتقدم المكاني والمعنى لا تقولوا قولا ولا تفعلوا شيئا قبل أن يحكمانه، قال الضحاك يعني في القتال وشرائع الدين لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله، قال أبو عبيدة يقول العرب لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب أي لا تعجل بالأمر والنهر والنهي دونه، قيل المراد بين يدي رسول الله وذكر الله تعظيما له وإشعارا بأن التقديم على رسول الله كان تقديم على الله تعالى، فإنه من الله بمكان يوجب إجلاله إجلالا به وسوء الأدب بالله كما قال الله تعالى :﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ (٢) وأخرج ابن المنذر عن الحسن أن ناسا ذبحوا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر أمرهم أن يعيدوا ذبحا فأنزل الله تعالى هذه الآية، كذا أخرج ابن الدنيا في كتاب الأضاحي بلفظ ذبح رجل قبل الصلاة فنزلت، وعن البراء ابن عازب قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر قال :﴿إن أول ما نبدأ يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك في شيء﴾ (٣) متفق عليه، وعن جندب ابن عبد الله بلفظ : صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ثم خطب ثم ذبح قال :﴿من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى﴾ متفق عليه، وبما ذكرنا من الأحاديث احتج أبو حنيفة ومالك وأحمد على أنه لا يجوز ذبح الأضحية قبل صلاة الإمام خلافا للشافعي حيث قال يجوز ذبح الأضحية بعد طلوع الشمس من يوم النحر إذا مضي قدر صلاة العيد والخطبتين صلى الإمام أو لم يصل، وقال عطاء يجوز بعد طلوع الشمس فقط وهما محجوجان بما روينا ولا دلالة في الحديثين على ما قال مالك أن لا يجوز الذبح إلا بعد الصلاة وبعد ذبح الإمام ولعل مالك أخذا هذا القول من قوله تعالى :﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ يعني لا تذبحوا قبل ذبح الرسول والإمام نائب الرسول صلى الله عليه وسلم، قلنا الحديث بيان للآية فلا يشترط ما لا يستفاد من الحديث.
مسألة : قال أبو حنيفة يجوز لأهل السواد حيث لا يصلي هناك صلاة العيد ذبح الأضحية بعد طلوع الفجر الثاني خلافا للأئمة الثلاثة فإنهم قالوا لا يجوز إلا بعد حصول اليقين بصلاة الإمام عند أحمد والصلاة وذبحه عند مالك وبعد مضي قدر صلاة العيد والخطبتين بعد طلوع الشمس عند الشافعي لإطلاق النصوص، وجه قول أبي حنيفة إن التأخير لاحتمال تشاغل به عن الصلاة ولا معنى للتأخير في حق القرى ولا صلاة عليه والله أعلم وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة أن ناسا كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا﴾ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما فيصومه﴾ (٤) رواه أصحاب الصحاح والسنن الستة، وروى أصحاب السنن الأربعة وعلقه البخاري عن عمار قال ﴿من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم عليه السلام﴾ وقال عليه الصلاة والسلام ﴿صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما﴾ (٥) وهو في الصحيحين، وعند أبي داوود والترمذي وحسنه ﴿وإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا العدة ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالا﴾ (٦) والله أعلم.
وأخرج بن جرير عن قتادة قال ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون لو أنزل في كذا وكذا فأنزل الله ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ ﴿واتقوا الله﴾ في تضييع حقه وحق رسوله ومخالفة أمره ﴿إن الله سميع﴾ لأقوالكم ﴿عليم﴾ بنياتكم
١ أخرجه البخاري في كتاب: المغازي {٤٣٦٧} وأخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن باب: ومن سورة الحجرات {٣٢٦٦}.
٢ سورة الفتح الآية: ١٠.
٣ أخرجه البخاري في كتاب: العيدين باب: الخطبة بعد العيد {٩٦٥} وأخرجه مسلم في كتاب: الأضاحي باب: وقتها {١٩٦١}.
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الصوم باب: لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين {١٩١٤} وأخرجه مسلم في كتاب: الصيام باب: لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين {١٠٨٢}.
٥ أخرجه البخاري في كتاب: باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا﴾ {١٩٠٩} وأخرجه مسلم في كتاب: الصيام باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال {١٠٨١}.
٦ أخرجه النسائي في كتاب: الصيام {٢١٢٠}.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى