الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
بعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمّه وهو الذي ولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص، فصلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعاً، ثم قال : هل أزيدكم، فعزله عثمان عنهم مصدّقاً إلى بني المصطلق، وكانت بينه وبينهم إحنة، فلما شارف ديارهم ركبوا مستقبلين له، فحسبهم مقاتليه، فرجع وقال لرسول الله ﷺ : قد ارتدوا ومنعوا الزكاة، فغضب رسول الله ﷺ وهمّ أن يغزوهم. فبلغ القوم فوردوا وقالوا : نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فاتهمهم فقال :«لتنتهنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلاً هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلتكم ويسبي ذراريكم، ثم ضرب بيده على كتف علي رضي الله عنه. وقيل : بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلوات متهجدين، فسلموا إليه الصدقات، فرجع. وفي تنكير الفاسق والنبأ : شياع في الفساق والأنباء، كأنه قال : أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبأ. فتوقفوا فيه وتطلبوا الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق «لأنّ من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه. والفسوق : الخروج من الشيء والانسلاخ منه. يقال : فسقت الرطبة عن قشرها. ومن مقلوبه : فقست البيضة، إذا كسرتها وأخرجت ما فيها. ومن مقلوبه أيضاً : قفست الشيء إذا أخرجته عن يد مالكه مغتصباً له عليه، ثم استعمل في الخروج عن القصد والانسلاخ من الحق. قال رؤبة :
فَوَاسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرَا ***
وقرأ ابن مسعود :«فتثبتوا » والتثبت والتبين : متقاربان، وهما طلب الثبات والبيان والتعرّف، ولما كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم والذين معه بالمنزلة التي لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب، وما كان يقع مثل ما فرط من الوليد إلا في الندرة. قيل : إن جاءكم بحرف الشك وفيه أنّ على المؤمنين أن يكونوا على هذه الصفة، لئلا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور ﴿ءانٍ﴾ مفعول له، أي : كراهة إصابتكم ﴿تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ﴾ حال، كقوله تعالى :﴿وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٥] يعني جاهلين بحقيقة الأمر وكنه القصة. والإصباح : بمعنى الصيرورة. والندم : ضرب من الغم، وهو : أن تغتمّ على ما وقع منك تتمنى أنه لم يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام ولزام، لأنه كلما تذكر المتندّم عليه راجعه من الندام : وهو لزام الشريب ودوام صحبته. ومن مقلوباته : أدمن الأمر أدامه. ومدن بالمكان : أقام به. ومنه : المدينة وقد تراهم يجعلون الهم صاحباً ونجياً وسميراً وضجيعاً، وموصوفاً بأنه لا يفارق صاحبه.
فَوَاسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرَا ***
وقرأ ابن مسعود :«فتثبتوا » والتثبت والتبين : متقاربان، وهما طلب الثبات والبيان والتعرّف، ولما كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم والذين معه بالمنزلة التي لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب، وما كان يقع مثل ما فرط من الوليد إلا في الندرة. قيل : إن جاءكم بحرف الشك وفيه أنّ على المؤمنين أن يكونوا على هذه الصفة، لئلا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور ﴿ءانٍ﴾ مفعول له، أي : كراهة إصابتكم ﴿تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ﴾ حال، كقوله تعالى :﴿وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٥] يعني جاهلين بحقيقة الأمر وكنه القصة. والإصباح : بمعنى الصيرورة. والندم : ضرب من الغم، وهو : أن تغتمّ على ما وقع منك تتمنى أنه لم يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام ولزام، لأنه كلما تذكر المتندّم عليه راجعه من الندام : وهو لزام الشريب ودوام صحبته. ومن مقلوباته : أدمن الأمر أدامه. ومدن بالمكان : أقام به. ومنه : المدينة وقد تراهم يجعلون الهم صاحباً ونجياً وسميراً وضجيعاً، وموصوفاً بأنه لا يفارق صاحبه.