نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي
عن الكتاب
ولما بين أنه لا فصل له، ظهر أنه لا جنس له، فدل عليه بقوله :﴿ولم يولد﴾ ؛ لأنه لو تولد عنه غيره تولد هو عن غيره، كما هو المعهود والمعقول، فهو قديم لا أول له ؛ بل هو الأول الذي لم يسبقه عدم ؛ لأن الولادة لا تكون ولا تتشخص إلا بواسطة المادة وعلاقتها، وكل ما كان مادياً أو كان له علاقة بالمادة، كان متولداً عن غيره، فكان لا يصح أن يتولد عنه شيء ؛ لأنه لا يصح أن يكون هو متولداً عن غيره ؛ لأنه لا ماهية له ولا اعتبار لوجوده سوى أنه هو، فهويته لذاته، ومن كانت هويته لذاته لم يصح بوجه أن يتولد عن غيره ؛ لأنه لو تولد عن غيره لم يكن هو هو لذاته، ولا يكون أحداً حقيقياً ولا صمداً، فينتفي من أصله، ولا يكون له من ذاته إلا العدم، فقد تبين أنه واجب الوجود، فوضح كالشمس أنه ليس مادياً ؛ لأنه غير محتاج بوجه، فلا يصح أن يتولد عنه غيره ؛ لأنه لم يصح أن يتولد هو عن غيره، ومن كان كذلك لم يكن له مثل، فلا يصح بوجه أن يساويه شيء ليصح أن يقوم مقامه فيما بين ما انتفى في الأول والآخر.