اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : إن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم لإرادة مكافأتهم.
والثاني : لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله تعالى علَّل ترك المكافأة بخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة.
فإن قيل : إنه - تعالى - لما حكى عنهم الإيفاء بالنذر، علَّل ذلك بخوف القيامة فقط، ولما حكى عنهم الإطعام علل ذلك بأمرين : بطلب رضا الله تعالى، وبالخوف، فما الحكمة في ذلك ؟.
فالجواب : أن النذر هو الذي أوجبه على نفسه لأجل الله، فلما كان كذلك، لا جرم علله بخوف القيامة فقط، وإما الإطعام فالله - تعالى - هو الذي شرعه، فلا جرم ضم إليه خوف القيامة.
قوله :﴿يَوْمَاً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾. القَمْطَرِيرُ : الشديد، وأصله كما قال الزجاج :«مشتق من اقمطرّت الناقة إذا رفعت ذنبها، وجمعت قطريها وزمت بأنفها ».
قال الزمخشري : اشتقاقه من القطر، وجعلت الميم زائدة(١) ؛ قال أسد بن ناعصة :[ الخفيف ]
٥٠٣٥- واصْطَليْتَ الحُروبَ فِي كُلِّ يومٍبَاسلَ الشَّرِّ قَمْطَريرَ الصَّباحِ(٢)
قال أبو حيان : واختلف النحاة في هذا الوزن، والأكثر على أنه لا يثبت «افْمَعَلَّ » في أوزان الأفعال ويقال : اقمطرَّ يقمطرُّ فهو مقمطرّ ؛ قال الشاعر :[ الرجز ]
٥٠٣٦- قَدْ جَعلَتْ شَبْوَةُ تَزبَئِرُّتَكْسُو استهَا لَحْماً وتقْمَطِرُّ(٣)
ويوم قَمْطَرير وقُمَاطر : بمعنى شديد ؛ قال الشَّاعرُ :[ الطويل ]
٥٠٣٧- فَفِرُّوا إذَا مَا الحَرْبُ ثَار غُبَارُهَاولَجَّ بِها اليَوْمَ العَبُوسُ القُمَاطِرُ(٤)
وقال الزجاج : القَمْطَرير : الذي يعبسُ حتى يجتمع ما بين عينيه. انتهى.
فعلى هذا استعماله في اليوم مجاز، وفي بعض كلام الزمخشري، أنه جعله من «القمط » فعلى هذا تكون الرَّاءان فيه مزيدتين.
وقال القرطبي(٥) :«القمطرير : الطَّويل » ؛ قال الشاعر :
٥٠٣٨- *** شَدِيداً عَبُوساً قَمْطَريراً ***
تقول العرب : يوم قمطرير، وقُماطر، وعصيب بمعنى ؛ وأنشد الفراء :[ الطويل ]
٥٠٣٩- بَنِي عَمَِّنَا هل تَذْكُرونَ بَلاءنَاعَليْكُمْ إذا مَا كَانَ يومٌ قُماطِرُ(٦)
بضم القاف، واقمطرّ : إذا اشتد، وقال الأخفش : القمطرير : أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء ؛ وأنشد :[ الطويل ]
٥٠٤٠- *** فَفِرُّوا إذَا ما الحَرْبُ ***
البيت المتقدم(٧).
وقال الكسائي : يقال : اقمطرَّ اليوم وازمهرَّ اقمطراراً وازمهراراً، وهو القمطريرُ والزمهريرُ، ويوم مقمطرٌّ، إذا كان صعباً شديداً ؛ قال الهذليُّ :[ الطويل ]
٥٠٤١- بَنُو الحَرْبِ ارضْعنَا لَهُم مُقمطرَّةًومَنْ يُلقَ مِنَّا ذلِكَ اليَوْمَ يهْربِ(٨)
و«العبوس » أيضاً صفة ل «اليوم »، «يوماً » تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته، والمعنى : نخاف يوماً ذا عبوس.
وقال ابن عباس : يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل منه عرقٌ كالقطران.
وقال مجاهد : إن العبوس بالشَّفتين، والقَمْطرير بالجبهةِ والحاجبينِ فجعلهما من صفات الوجه المتغيّر من شدائد ذلك اليوم(٩).
١ في أ: فريدة..
٢ ينظر الكشاف ٤/٦٦٩، والقرطبي ١٩/٩٠، والبحر ٨/٣٨٤، والدر المصون ٦/٤٤٢..
٣ ينظر اللسان (قطمر)، والبحر ٨/٣٥٤، والدر المصون ٦/٤٤٢..
٤ ينظر اللسان (لجج) و(قمطر)، والقرطبي ١٩/٨٨، والبحر ٨/٣٨٤، والدر المصون ٦/٤٤٢..
٥ الجامع لأحكام القرآن ١٩/٨٨..
٦ ينظر معاني القرآن للفراء ٣/٢١٦، وإعراب القرآن ٥/٩٩، والطبري ٢٩/١٣١، ومجمع البيان ١٠/٦١١، والقرطبي ١٩/٨٨، واللسان (قمطر)..
٧ تقدم..
٨ البيت كما في ديوان الهذليين:
بَنُو الحَرْبِ ارضْعنَا لَهُم مُقمطرَّةًومَنْ يُلقَ مِنَّا يلق سيد يهرب
ينظر ديوان الهذليين ٣/٢٥، والقرطبي ١٩/٨٨..

٩ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٨٥) وعزاه إلى عبد بن حميد..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى