الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿إِمَّا شَاكِراً﴾ :" شاكراً " نصبٌ على الحال، وفيه وجهان، أحدُهما : أنه حالٌ مِنْ مفعولِ " هَدَيْناه "، أي : هَدَيْناه مُبَيَّناً له كلتا حالتيه. قال أبو البقاء :" وقيل : هي حالٌ مقدرةٌ ". قلت : لأنه حَمَلَ الهدايةَ على أولِ البيانِ له، و [ هو ] في ذلك الوقتِ غيرُ مُتَّصِفٍ بإحدى الصفتَيْنِ. والثاني : أنه حالٌ من " السبيل " على المجاز. قال الزمخشري :" ويجوزُ أن يكونا حالَيْن من " السبيل "، أي : عَرَّفْناه السبيلَ إمَّا سبيلاً شاكِراً، وإمَّا سبيلاً كَفُوراً كقوله :﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ﴾ [البلد: ١٠] فوصفَ السبيلَ بالشُّكْرِ والكُفْر مجازاً.
والعامَّةُ على كسر همزة " إمَّا " وهي المرادِفَةُ ل " أو " وتقدَّم خلافُ النَّحْويين فيها. ونقل مكيٌّ عن الكوفيين أنها هنا " إنْ " الشرطيةُ زِيْدَتْ بعدها " ما " ثم قال :" وهذا لا يُجيزه البَصْريُّون ؛ لأن " إن " الشرطيةَ لا تَدْخُلُ على الأسماءِ، إلاَّ أَنْ يُضْمَرَ فعلٌ نحو :﴿وَإِنْ أَحَدٌ﴾ [التوبة: ٦]. ولا يَصِحُّ إضمارُ الفعلِ هنا ؛ لأنه كان يلزَمُ رَفْعُ " شاكراً " وأيضاً فإنَّه لا دليلَ على الفعلِ " انتهى. قلت : لا نُسَلِّمُ أنه يَلْزَمُ رَفْعُ " شاكراً " مع إضمار الفعلِ، ويُمْكِنُ أَنْ يُضْمَرَ فعلٌ يَنْصِبُ " شاكراً " تقديرُه :" إن خَلَقْناهُ شاكراً فشكورٌ، وإنْ خَلَقْناه كافراً فكفُوْرٌ.
وقرأ أبو السَّمَّال وأبو العجاج بفتحها. وفيها وجهان، أحدُهما : أنَّها العاطفةُ، وإنما لغةُ بعضِهم فَتْحُ همزتها، وأنشدوا على ذلك :
يَلْفَحُها أمَّا شمالٌ عَرِيَّةٌوأمَّا صَباً جِنْحَ العَشِيِّ هَبوبُ
بفتحِ الهمزةِ. ويجوزُ مع فتحِ الهمزةِ إبدالُ ميمِها الأولى ياءً. قال :
٤٤٣٨. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** أَيْما إلى جَنَّةٍ أَيْما إلى النارِ
وحَذَفَ الواوَ بينهما. والثاني : أنها أمَّا التفصيليةُ، وجوابُها مقدرٌ. قال الزمخشري :" وهي قراءةٌ حسنةٌ والمعنى : أمَّا شاكِراً فَبِتَوْفِيْقِنا، وأمَّا كفُوراً فبِسُوءِ اختيارِه " انتهى. ولم يذكُرْ غيرَه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى