فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
وجملة ﴿يُوفُونَ بالنذر﴾ مستأنفة مسوقة لبيان ما لأجله رزقوا ما ذكر، وكذا ما عطف عليها، ومعنى النذر في اللغة : الإيجاب، والمعنى : يوفون بما أوجبه الله عليهم من الطاعات. قال قتادة ومجاهد : يوفون بطاعة الله من الصلاة والحج ونحوهما. وقال عكرمة : يوفون إذا نذروا في حق الله سبحانه، والنذر في الشرع ما أوجبه المكلف على نفسه، فالمعنى : يوفون بما أوجبوه على أنفسهم. قال الفراء : في الكلام إضمار : أي كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. وقال الكلبي : يوفون بالعهد : أي يتممون العهد. والأولى حمل النذر هنا على ما أوجبه العبد على نفسه من غير تخصيص ﴿ويخافون يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ المراد يوم القيامة، ومعنى استطارة شرّه : فشوّه وانتشاره، يقال : استطار يستطير استطارة، فهو مستطير، وهو استفعل من الطيران، ومنه قول الأعشى :
فباتت وقد أثارت في الفؤاد صدعاً على نأيها مستطيرا
والعرب تقول : استطار الصدع في القارورة والزجاجة : إذا امتدّ، ويقال استطار الحريق : إذا انتشر. قال الفرّاء : المستطير المستطيل. قال قتادة : استطار شرّ ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض. قال مقاتل : كان شرّه فاشياً في السموات فانشقت وتناثرت الكواكب وفزعت الملائكة، وفي الأرض نسفت الجبال وغارت المياه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ قال : كل إنسان. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله :﴿أَمْشَاجٍ﴾ قال : أمشاجها عروقها. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم ﴿أَمْشَاجٍ﴾ قال : العروق. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ قال : ماء الرجل وماء المرأة حين يختلطان. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال :﴿أَمْشَاجٍ﴾ ألوان : نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وحمراء. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : الأمشاج الذي يخرج على أثر البول كقطع الأوتار ومنه يكون الولد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً ﴿كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ قال : فاشياً. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عنه أيضاً في قوله :﴿وَأَسِيراً﴾ قال : هو المشرك. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ في قوله :﴿مِسْكِيناً﴾ قال :«فقيراً ﴿وَيَتِيماً﴾ قال لا أب له ﴿وَأَسِيراً﴾ قال : المملوك والمسجون». وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿وَيُطْعِمُونَ الطعام﴾ الآية قال : نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله ﷺ. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿يَوْماً عَبُوساً﴾ قال : ضيقاً ﴿قَمْطَرِيراً﴾ قال : طويلاً. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك عن النبيّ ﷺ في قوله :﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ قال :«يقبض ما بين الأبصار». وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عباس قال : القمطرير الرجل المنقبض ما بين عينيه ووجهه. وأخرج ابن المنذر عنه ﴿ولقاهم نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ قال : نضرة في وجوههم وسروراً في صدورهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى