تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي

عن الكتاب
يقول تعالى :﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ وذلك يوم القيامة، ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أي استمعت لربها وأطاعت أمره فيما أمرها به من الانشقاق، وذلك يوم القيامة ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي وحق لها أن تطيع أمره، لأنه العظيم الذي لا يمانع ولا يغالب، بل قد قهر كل شيء وذل له كل شيء، ثم قال :﴿وَإِذَا الأرض مُدَّتْ﴾ أي بسطت وفرشت ووسعت، وفي الحديث « إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم، وحتى لا يكون لبشر من الناس إلاّ موضع قدميه » وقوله تعالى :﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ أي ألقت ما في بطونها من الأموات وتخلت عنهم، ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ كما تقدم، وقوله :﴿ياأيها الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً﴾ أي إنك ساع إلى ربك سعياً وعامل عملاً ﴿فَمُلاَقِيهِ﴾ ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر، عن جابر قال، قال رسول الله ﷺ :« قال جبريل : يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه »، ومن الناس من يعيد الضمير على قوله ﴿رَبِّكَ﴾ أي فملاق ربك ومعناه فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك، قال ابن عباس : تعمل عملاً الله به خيراً كان أو شراً، وقال قتادة :﴿ياأيها الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً﴾ إن كدحك يا ابن آدم لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فيلفعل ولا قوة إلاّ بالله، ثم قال تعالى :﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ أي سهلاً لا تعسير أي لا يحقق عليه جميع دقائق أعماله، فإن من حوسب كذلك هلك لا محالة، روى الإمام أحمد « عن عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله ﷺ :» من نوقش الحساب عذب «، قالت، فقلت : أفليس قال الله تعالى :﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾، قال :» ليس ذلك بالحساب، ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب « » وروى ابن جرير، « عن عائشة رضي الله عنها قالت؛ قال رسول الله ﷺ :» إنه ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلاّ معذباً «، فقلت : أليس الله يقول ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ ؟ قال :» ذاك العرض، إنه من نوقش الحساب عذب «، وقال بيده على إصبعه كأنه ينكت » وفي رواية عن عائشة قالت :« من نوقش الحساب - أو من حوسب - عذب، ثم قالت : إنما الحساب اليسير عرض الله تعالى وهو يراهم » وقوله تعالى :﴿وَيَنقَلِبُ إلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ أي ويرجع إلى أهله في الجنة ﴿مَسْرُوراً﴾ أي فرحاً مغتبطاً بما أعطاه الله عزَّ وجلَّ، وقد روى الطبراني عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أنه قال :
« إنكم تعملون أعمالاً لا تعرف، ويوشك الغائب أن يثوب إلى أهله فمسرور أو مكظوم » وقوله تعالى :﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾ أي بشماله من وراء ظهره تثنى يده إلى ورائه، ويعطى كتابه بها كذلك ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾ أي خساراً وهلاكاً ﴿ويصلى سَعِيراً * إِنَّهُ كَانَ في أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ أي فرحاً لا يفكر في العواقب، ولا يخاف مما أمامه فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطويل، ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ أي كان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله، ولا يعيده بعد موته، قال ابن عباس وقتادة وغيرهما، والحَوْر هو الرجوع، قال الله :﴿بلى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾ يعني بلى سيعيده الله كما بدأه ويجازيه على أعماله خيرها وشرها فإنه ﴿كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾ أي عليماً خبيراً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى