البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الكدح : جهد النفس في العمل حتى يؤثر فيها، من كدح جلده إذا خدشه، قال ابن مقيل :
وما الدهر إلا تارتان فمنهماأموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
وقال آخر :
ومضت بشاشة كل عيش صالحوبقيت أكدح للحياة وأنصب
وجواب إذا محذوف، فإما أن يقدره الذي خرج به في سورة التكوير أو الانفطار، أو ما يدل عليه :﴿إنك كادح﴾، أي لاقى كل إنسان كدحه.
وقال الأخفش والمبرد : هو ملاقيه، إذا انشقت السماء فأنت ملاقيه.
وقيل :﴿يا أيها الإنسان﴾، على حذف الفاء تقديره : في أيها الإنسان.
والإنسان : يراد به الجنس، والتقسيم بعد ذلك يدل عليه.
وقال مقاتل : المراد به الأسود بن عبد الأسد بن هلال المخزومي، جادل أخاه أبا سلمة في أمر البعث، فقال أبو سلمة : والذي خلقك لتركبن الطبقة ولتوافين العقبة.
فقال الأسود فأين : الأرض والسماء وما جال الناس ؟ انتهى.
وكان مقاتلاً يريد أنها نزلت في الأسود، وهي تعم الجنس.
وقيل : المراد أبيّ بن خلف، كان يكدح في طلب الدنيا وإيذاء الرسول ﷺ والإصرار على الكفر.
وأبعد من ذهب إلى أنه الرسول ﷺ، والمعنى : إنك تكدح في إبلاغ رسالات الله تعالى وإرشاد عباده واحتمال الضر من الكفار، فأبشر فإنك تلقى الله بهذا العمل، وهو غير ضائع عنده.
﴿إنك كادح﴾ : أي جاهد في عملك من خير وشر إلى ربك، أي طول حياتك إلى لقاء ربك، وهو أجل موتك، ﴿فملاقيه﴾ : أي جزاء كدحك من ثواب وعقاب.
قال ابن عطية : فالفاء على هذا عاطفة جملة الكلام على التي قبلها، والتقدير : فأنت ملاقيه، ولا يتعين ما قاله، بل يصح أن يكون معطوفاً على كادح عطف المفردات.
وقال الجمهور : الضمير في ملاقيه عائد على ربك، أي فملاقي جزائه، فاسم الفاعل معطوف على اسم الفاعل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى