اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ الآيات. اعلم أنَّ المقصود من هذا الكلام هو الجواب عن قولهم : لن نؤمن لك ؛ حتى تأتينا بهذه المعجزات الباهرة ؛ فقال تعالى : ولقد آتينا موسى معجزات مساويات لهذه الأشياء التي طلبتموها، بل أقوى، وأعظم، فلو حصل في علمنا أنَّ جعلها في زمانكم مصلحة، لفعلناها، كما فعلناها في حق موسى ؛ فدل هذا على أنَّا إنما [ لم ] نفعلها في زمانكم ؛ لعلمنا بأنها لا مصلحة في فعلها.
واعلم : أن الله تعالى ذكر في القرآن أشياء كثيرة من معجزات موسى –عليه السلام-.
منها : أنه [ أزال ](١) العقدة من لسانه.
قال المفسرون : أذهب الأعجمية منه، وبقي فصيحاً.
ومنها : انقلاب العصا حيَّة.
ومنها : تلقُّف الحية حبالهم وعصيَّهم، مع كثرتها.
ومنها : اليد البيضاء من غير سوء.
ومنها : الطُّوفان والجراد، والقمَّل، والضَّفادع، والدَّم.
ومنها : شقُّ البحر.
ومنها : ضربه الحجر بالعصا، فانفجر.
ومنها : إظلال الجبل.
ومنها : إنزال المنِّ والسلوى عليه وعلى قومه.
ومنها : قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بالسنين وَنَقْصٍ مِّن الثمرات﴾ [الأعراف: ١٣٠] لأهل القرى ؛ فهذه آيتان.
ومنها : الطَّمس على أموالهم، فجعلها حجارة من النَّخيلِ، والدَّقيق، والأطعمة، والدَّراهم والدَّنانير.
روي أن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب، عن قوله :﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، فذكر محمد بن كعب في جملة التسعة ؛ حلَّ عقدة اللِّسان، والطَّمس، فقال عمر بن العزيز : هكذا يجبُ أن يكون الفقيهُ، ثم قال : يا غلامُ، أخرج ذلك الجراب، فأخرجه، فإذا فيه بيضٌ مكسورٌ ؛ نصفين، وجوز مكسور، وفول، وحمص، وعدس، كلها حجارة(٢).
وإذا كان كذلك، فإنه تعالى ذكر في القرآن أنَّ هذه المعجزات لموسى ﷺ وقال في هذه الآية :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ وتخصيص التسعة بالذِّكر لا يقدح فيه ثبوت الزائد عليه ؛ لأنَّه ثبت في أصول الفقه أنَّ تخصيص العدد بالذكر لا يدلُّ على نفي الزائد ؛ وهذه الآية دليل على هذه المسألة.
واعلم : أن هذه التسعة قد اتَّفقوا على سبعة منها ؛ وهي : العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وبقي اثنتان اختلفت أقوال المفسرين فيهما، ولمَّا لم تكن تلك الأقوال مستندة إلى حجَّة ظنيَّة ؛ فضلاً عن حجة يقينيَّة، لا جرم تركت تلك الروايات.

فصل في أجود ما قيل في تفسير التسع آيات


في تفسير قوله :﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قول هو أجود ما قيل، وهو ما روي عن صفوان بن عسَّالٍ المراديِّ : أن يهوديًّا قال لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله عن تسع الآيات، فقال الآخر : لا تقل : نبي ؛ فإنه لو سمع، لصارت له أربعة أعين فأتياه، فسألاه عن هذه الآية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
فقال : هِيَ ألاَّ تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النَّفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحقِّ، ولا تَزنُوا، ولا تَأكلُوا الرِّبا، ولا تَسْحرُوا، ولا تمشُوا بالبريءِ للسلطان ؛ ليقتله، ولا تسرقوا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تَفرُّوا من الزَّحف، وعليكم - خاصة اليهود - ألاَّ تعذوا في السَّبت، فقام اليهوديَّان يقبِّلان يده، ويقولون : نشهدُ أنَّك نبيٌّ، قال : فما يمنعكم أن تتبعوني ؟ قال اليهودي : إنَّ داود دعا ربَّهُ ألاَّ يزال في ذُريَّته نبيٌّ، وإنَّا نخافُ إن اتَّبعنَاكَ أن تقْتُلنَا يهُودُ(٣).
قوله تعالى :﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ :[ يجوز في " بَيِّنات " ] النصب صفة للعدد، والجر صفة للمعدود.
قوله :" إذْ جَاءهُمْ " فيه أوجهٌ :
أحدها : أن يكون معمولاً ل " آتيْنا " ويكون قوله " فاسْألْ بَنِي إسْرائيلَ " اعتراضاً، وتقديره : ولقد آتينا موسى تسع آياتٍ بيِّناتٍ ؛ إذ جاء بني إسرائيل، فسألهم، وعلى هذا التقدير : فليس المطلوبُ من سؤال بني إسرائيل أن يستفيد هذا العلم منهم، بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود بقول علمائهم صدق ما ذكره الرسول ﷺ فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد.
والثاني : أنه منصوب بإضمار اذكر.
والثالث : أنه منصوبٌ ب " يُخْبرُونكَ " مقدراً.
الرابع : أنه منصوب بقولٍ مضمرٍ ؛ إذ التقدير : فقلنا له : سل بني إسرائيل حين جاءهم، ذكر هذه الأوجه الزمخشري مرتبة على مقدمة ذكرها قبلُ [ قال :] فاسْأَلْ بنِي إسْرائيلَ، أي : فقلنا له : اسأل بني إسرائيل، أي : اسْألهُم عن فرعون، وقل له : أرسل معي بني إسرائيل، أو اسألهم عن إيمانهم، وحال دينهم، أو اسألهم أن يعاضدوك. ويدل عليه قراءة(٤) رسول الله " فَسَألَ " على لفظ الماضي، بغير همزٍ، وهي لغة قريشٍ.
وقيل : فَسلْ، يا رسول الله، المُؤمنَ من بني إسرائيل ؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه عن الآيات ؛ ليزدادوا يقيناً وطمأنينة ؛ كقوله :﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] [ ثم قال :] فإن قيل بم تعلق " إذْ جَاءهُمْ " ؟ فالجواب :
أمَّا على الوجه الأول : فبالقول المحذوف، [ أي ] : فقلنا له، سلهم حين جاءهم، أو ب " سَالَ " في القراءة الثانية، وأمَّا على الآخر فب " آتَيْنَا " أو بإضمار " اذكر " أو ب " يُخْبرونَكَ " ومعنى " إذْ جَاءهُمْ " " إذ جاء آباءهم "، انتهى.
قال أبو حيان :" لا يتأتَّى تعلقه ب " اذْكُر " ولا ب " يُخْبرُونَكَ " ؛ لأنه ظرف ماضٍ ".
قال شهاب الدين : إذا جعله معمولاً ل " اذْكُر "، أو ل " يُخْبرُونكَ " لم يجعله ظرفاً، بل مفعولاً به، كما تقرَّر مراراً.
الوجه الخامس : أنه مفعول به، والعامل فيه " فَسلْ ".
قال أبو البقاء(٥) :" فيه وجهان :
أحدهما : هو مفعول به ب " اسْألْ " على المعنى إذ التقدير : اذكر لبني إسرائيل ؛ إذ جاءهم، وقيل : التقدير : اذكر إذا جاءهم وهي غير " اذكُر " الذي قدَّرت به " اسْأل " "، يعني : أن " اذكر " المقدرة غير " اذكُر " التي فسَّرت " اسألْ " بها ؛ وهذا يؤيِّد ما تقدَّم من أنهم، إذا قدروا " اذكُر " جعلوا " إذْ " مفعولاً به، لا ظرفاً.
إلا أنَّ أبا البقاء ذكر [ حال ] كونه ظرفاً، ما يقتضي أن يعمل فيه فعلٌ مستقبل، فقال(٦) :" والثاني : أن يكون ظرفاً، وفي العامل وجوه :
أحدها :" آتيْنا ".
والثاني :" قلنا " مضمرة.
والثالث :[ " قُل " ]، تقديره : قل لخصمك : سل ؛ والمراد به فرعون، أي : قل، يا موسى، وكان الوجه أن يقال : إذ جئتهم بالفتح، فخرج من الخطاب، إلى الغيبة ".
فظاهر الوجه الثالث : أن العامل فيه " قُلْ " وهو ظرف ماض، على أنَّ هذا المعنى الذي نحا إليه ليس بشيء ؛ إذ يرجع إلى : يا موسى، قل لفرعون : يا فرعون سل بني إسرائيل، فيعود فرعون هو السائل لبني إسرائيل، وليس المراد ذلك قطعاً، وعلى التقدير الذي تقدم عن الزمخشري- وهو أن المعنى : يا موسى، سل بني إسرائيل، [ أي : اطلبهم من فرعون - يكون المفعول الأول للسؤال محذوفاً، والثاني هو " بني إسْرائيلَ " ]، والتقدير : سَلْ فرعون بني إسرائيل، وعلى هذا : فيجوز أن تكون المسألة من التنازع، وأعمل الثاني ؛ إذ التقدير : سل فرعون، فقال فرعون، فأعمل الثاني، فرفع به الفاعل، وحذف المفعول من الأول، وهو المختار من المذهبين.
والظاهر غير ذلك كلِّه، وأن المأمور بالسؤال سيدنا رسول الله ﷺ وبنو إسرائيل كانوا معاصريه.
والضمير [ في ] " إذْ جَاءَهُمْ " : إمَّا للآباء، وإمَّا لهم على حذف مضافٍ، أي : جاء آباءهم.

فصل في معنى " واسأل بني إسرائيل "


المعنى : فسَلْ، يا محمد، بني إسرائيل ؛ إذ جاءهم موسى، يجوز أن يكون الخطاب معه، والمراد غيره، ويجوز أن يكون خاطبه - عليه الصلاة والسلام - وأمره بالسؤال ؛ ليتبيَّن كذبهم مع قومهم، فقال له فرعون :﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ يا موسى مَسْحُوراً﴾.
وقوله " مَسْحُوراً " : وفيه وجهان :
أظهرهما : أنه بمعناه الأصلي، أي : إنك سحرت، فمن ثمَّ ؛ اختل كلامك، قال ذلك حين جاءه بما لا تهوى نفسه الخبيثة، قاله الكلبي.
وقال ابن عباس : مخدوعاً، وقال : مصروفاً عن الحقِّ.
والثاني : أنه بمعنى " فاعل " كميمون ومَشْئُوم، أي : أنت ساحرٌ ؛ كقوله :﴿حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ [الإسراء: ٤٥]. فوضع المفعول موضع الفاعل، قاله الفراء، وأبو عبيدة، وقال ابن جرير : يعطى علم السِّحر ؛ فلذلك تأتي بالأعاجيب، يشير لانقلابِ عصاه حيَّة ونحو ذلك.
١ في أ: أذهب..
٢ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢١/٥٤)..
٣ أخرجه الترمذي (٣١٤٤) والنسائي (٧/١١١) وأحمد (٤/٢٣٩) والبيهقي في "الدلائل" (٦/٢٦٨) والطبراني (٧/٤٣، ٤٤) من حديث صفوان بن عسال..
٤ ينظر: الدر المصون ٤/٤٢٤، والقرطبي ١٠/٢١٨ وقد نسبها إلى ابن عباس وأبي نهيك..
٥ ينظر: الإملاء ٢/٩٧..
٦ ينظر: المصدر السابق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى