زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ. . .﴾ الآية. هذه الآية نزلت على سببين. أولها إلى قوله :﴿الْحُسْنَى﴾ على سبب، وفيه ثلاثة أقوال :
أحدها أن رسول الله ﷺ تهجد ذات ليلة بمكة، فجعل يقول في سجوده :" يا رحمن يا رحيم " : فقال المشركون : كان محمد يدعو إلها واحداً، فهو الآن يدعو إلهين اثنين : الله، والرحمن، ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون : مسيلمة، فأنزل الله هذه الآية، قاله ابن عباس.
والثاني : أن رسول الله ﷺ كان يكتب في أول ما أوحي إليه : باسمك اللهم، حتى نزل :﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم، فقال مشركو العرب : هذا الرحيم نعرفه، فما الرحمن ؟ فنزلت هذه الآية، قاله ميمون بن مهران.
والثالث : أن أهل الكتاب قالوا لرسول الله ﷺ : إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك.
فأما قوله :﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ فنزل على سبب، وفيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أن رسول الله ﷺ كان يرفع صوته بالقرآن بمكة، فيسب المشركون القرآن ومن أتى به، فخفض رسول الله ﷺ صوته بعد ذلك حتى لم يسمع أصحابه، فأنزل الله تعالى :﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أي : بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ﴿وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك، فلا يسمعون، قاله ابن عباس.
والثاني : أن الأعرابي كان يجهر في التشهد ويرفع صوته، فنزلت هذه الآية، هذا قول عائشة.
والثالث : أن رسول الله ﷺ كان يصلي بمكة عند الصفا، فجهر بالقرآن في صلاة الغداة، فقال أبو جهل : لا تفتر على الله، فخفض النبي ﷺ صوته، فقال أبو جهل للمشركين :
ألا ترون ما فعلت بابن أبي كبشة ؟ ! رددته عن قراءته، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل.
فأما التفسير، فقوله :﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ﴾ المعنى : إن شئتم فقولوا : يا ألله، وإن شئتم فقولوا : يا رحمن، فإنهما يرجعان إلى واحد، ﴿أَيّا مَّا تَدْعُواْ﴾ المعنى : أي أسماء الله تدعوا ؛ قال الفراء : و﴿ما﴾ قد تكون صلة، كقوله :﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠]، وتكون في معنى :" أي " معادة لما اختلف لفظهما.
قوله تعالى :﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنها الصلاة الشرعية. ثم في المراد بالكلام ستة أقوال :
أحدها : لا تجهر بقراءتك، ولا تخافت بها، فكأنه نهي عن شدة الجهر بالقراءة، وشدة المخافتة، قاله ابن عباس. فعلى هذا في تسمية القراءة بالصلاة قولان ذكرهما ابن الأنباري. أحدهما : أن يكون المعنى : فلا تجهر بقراءة صلاتك. والثاني : أن القراءة بعض الصلاة، فنابت عنها، كما قيل لعيسى : كلمة الله، لأنه بالكلمة كان.
والثاني : لا تصل مراءاة للناس، ولا تدعها مخافة الناس، قاله ابن عباس أيضاً.
والثالث : لا تجهر بالتشهد في صلاتك، روي عن عائشة في رواية، وبه قال ابن سيرين.
والرابع : لا تجهر بفعل صلاتك ظاهراً، ولا تخافت بها شديد الاستتار، قاله عكرمة.
والخامس : لا تحسن علانيتها، وتسيء سريرتها، قاله الحسن.
والسادس : لا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بجميعها. فاجهر في صلاة الليل، وخافت في صلاة النهار، على ما أمرناك به، ذكره القاضي أبو يعلى. والقول الثاني : أن المراد بالصلاة : الدعاء، وهو قول عائشة، وأبي هريرة، ومجاهد.
قوله تعالى :﴿وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ المخافتة : الإخفاء، يقال : صوت خفيت. ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ أي : اسلك بين الجهر والمخافتة طريقاً. وقد روي عن ابن عباس أنه قال : نسخت هذه الآية بقوله :﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا ودون الجهر من الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وقال ابن السائب : نسخت بقوله :﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] وعلى التحقيق، وجود النسخ هاهنا بعيد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى