زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ قال الفراء : أصل ﴿تقف﴾ من القيافة، وهي تتبع الأثر، وفيه لغتان : قفا يقفو، وقاف يقوف، وأكثر القراء يجعلونها من " قفوت "، فيحرك الفاء إلى الواو ويجزم القاف كما تقول : لا تَدْعُ، وقرأ معاذ القارئ :" لا تقف "، مثل : تَقُل ؛ والعرب تقول : قفت أثره، وقفوت، ومثله : عاث وعثا، وقاع الجمل الناقة، وقعاها : إذا ركبها. قال الزجاج : من قرأ بإسكان الفاء وضم القاف من : قاف يقوف، فكأنه مقلوب من قفا يقفو، والمعنى واحد، تقول : قفوت الشيء أقفوه قفواً : إذا تبعت أثره. وقال ابن قتيبة " لا تقف "، أي : لا تتبعه الظنون والحدس، وهو من القفاء مأخوذ، كأنك تقفوا الأمور، أي : تكون في أقفائها وأواخرها تتعقّبها، والقائف : الذي يعرف الآثار ويتبعها، فكأنه مقلوب عن القافي.
وللمفسرين في المراد به أربعة أقوال :
أحدها : لا ترم أحدا بما ليس لك به علم، رواه العوفي عن ابن عباس.
والثاني : لا تقل : رأيت، ولم تر، ولا سمعت، ولم تسمع. رواه عثمان بن عطاء عن أبيه ابن عباس، وبه قال قتادة.
والثالث : لا تشرك بالله شيئا ؛ رواه عطاء أيضا عن ابن عباس.
والرابع : لا تشهد بالزور، قاله محمد بن الحنفية.
قوله تعالى :﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ﴾ قال الزجاج : إنما قال :﴿كُلٌّ﴾، ثم قال :﴿كَانَ﴾، لأن كلاً في لفظ الواحد، وإنما قال :﴿أُوْلَئِكَ﴾ لغير الناس، لأن كلّ جمع أشرت إليه من الناس وغيرهم من الموات، تشير إليه بلفظ " أولئك "، قال جرير :
ذم المنازل بعد منزلة اللوىوالعيش بعد أولئك الأيام
قال المفسرون : الإشارة إلى الجوارح المذكورة، يسأل العبد يوم القيامة فيما إذا استعملها، وفي هذا زجر عن النظر إلى ما لا يحل، والاستماع إلى ما يحرم، والعزم على ما لا يجوز.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى