تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي

عن الكتاب
قَوْلهُ تَعَالَى :﴿ذُرِّيَّةَ مِنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾
عَنْ مُجَاهِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ :" ﴿ذُرِّيَّةَ مِنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ قَالَ : هُوَ عَلَى النداء، يا ذرية مِنْ حملنا مع نوح ".
عَنْ سلمان رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ :" كَانَ نوح عَلَيْهِ السَّلامُ إِذَا لبس ثوباً، أو طعم طعاماً، قَالَ : الحمد لله، فسميّ عبداً شكوراً ".
قَوْلهُ تَعَالَى :﴿سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَبْد الله بن نمير، حَدَّثَنَا يونس بن بكير، حَدَّثَنَا عِيسَى بن عَبْد الله التميمي يَعْنِي أبا جعفر الرازي، عَنِ الرَّبِيعِ بن أنس البكرى، عَنِ أبى العالية أو غيره، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ :" ﴿سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنَ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، قَالَ : جاء جبريل عَلَيْهِ السَّلامُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومعه ميكائيل، فقال جبريل لميكائيل عليهما السلام : ائتني بطست مِنْ ماء زمزم كيما أطهر قلبه، واشرح صدره، فشق عنه بطنه فغسله ثلاث مرات، واختلف إليه ميكائيل عَلَيْهِ السَّلامُ بثلاث طساس مِنْ ماء زمزم، فشرح صدره ونزع ما كان فيه مِنْ غل وملأه حلماً، وعلماً، وإيماناً، ويقيناً، وإسلاماً، وختم بين كتفيه بخاتم النبوة، ثُمَّ أتاه بفرس فحمل عليه. . . كُلّ خطوة منه منتهى بصره، فسار وسار معه جبريل، فأتى عَلَى قوم يزرعون في يَوْم ويحصدون في يَوْم. . . . كلما حصدوا عاد كما كَانَ، فقال النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يا جبريل، ما هذا. . . . ! ؟ قَالَ : هؤلاء المجاهدون في سبيل الله يضاعف لَهُمْ الحسنة بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا مِنْ شيء فهو يخلفه، ثُمَّ أتى عَلَى قوم عَلَى أقبالهم رقاع وعلي أدبارهم رقاع يسرحون كما تسرح الإبل والغنم ويأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم وحجارتها، قَالَ : مَا هؤلاء يا جبريل ! ؟، قَالَ : هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله شيئاً، ثُمَّ أتى عَلَى قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر ولحم آخر نيئ خبيث، فجعلوا يأكلون مِنَ النيئ الخبيث، ويتركون النضيج الطيب، قلت : مَا هؤلاء يا جبريل ! ؟، قَالَ : هَذَا الرجل مِنَ أمتك تكون عنده المرأة الحلال، فيأتي امرأة خبيثة، فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم مِنْ عند زوجها حلالاً طيباً، فتأتي رَجُلاً خبيثاً تبيت معه حتى تصبح، ثُمَّ أتى عَلَى خشبة عَلَى الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته، قَالَ : مَا هَذَا يا جبريل. . ! ؟، قَالَ : هَذَا مثل أقوام مِنَ أمتك يقعدون عَلَى الطريق فيقطعونه، ثُمَّ أتى عَلَى رجل قد جَمَعَ حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يَزِيد عليه، فقال : مَا هَذَا يا جبريل ؟، قَالَ : هَذَا الرجل مِنَ أمتك يكون عليه آمانات الناس لا يقدر علي أدائها وهو يريد أن يحمل عليها، ثُمَّ أتى علي قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض مِنْ نار كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم مِنْ ذَلِكَ شيء، قَالَ : مَا هؤلاء يا جبريل. . ! ؟، قَالَ : هؤلاء خطباء الفتنة، ثُمَّ أتى عَلَى حجر صغير يخرج مِنْ ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع مِنْ حيث خرج فلا يستطيع، قَالَ : مَا هَذَا يا جبريل ؟ قَالَ : هَذَا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة، ثُمَّ يندم عليها فلا يستطيع أن يردها ثُمَّ أتى عَلَى وادٍ، فوجد ريحاً طيبة باردة وريح مسك، وسمع صوتاً، فقال : يا جبريل، مَا هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا صوت الْجَنَّة. . تقول : يا رب، ائتني بما وعدتني، فقد كثرت غرفي واستبرقي وحريري وسندسي وعبقري ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي ومراكبي وعسلي ومائى ولبني وخمري فائتني ما وعدتني، فقال : لك كُلّ مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، قالت : رضيت، ثُمَّ أتى عَلَى وادٍ فسمع شكوى فوجد ريحاً منتنة، فقال : مَا هَذَا يا جبريل ؟ قَالَ : هَذَا صوت جهنم، تقول : رب ائتني بما وعدتني، فلقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري واشتد حري فائتني ما وعدتني، قَالَ : لك كُلّ مشرك ومشركة وكافر وكافرة وكل خبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب، قالت : قد رضيت، ثُمَّ سار حتى أتى بيت المقدس، فنزل فربط فرسه إِلَى صخرة ثُمَّ دَخَلَ فصلى مع الملائكة عَلَيْهِمْ السلام، فلما قضيت الصلاة، قالوا : يا جبريل، مِنْ هَذَا معك ؟ قَالَ : مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا : وقد بعث إليه ؟، قَالَ : نعم، قالوا : حياه الله مِنَ أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة نعم المجيء جاء، ثُمَّ لقي أرواح الأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السلام فأثنوا عَلَى ربهم، فقال إبراهيم عَلَيْهِ السَّلامُ : الحمد لله الّذِي اتخذني خليلاً وأعطاني ملكاً عظيماً وجعلني أمة قانتاً يؤتم بي وأنقذني مِنَ النَّار وجعلها عليّ برداً وسلاماً، ثُمَّ إِنَّ موسى عَلَيْهِ السَّلامُ أثنى عَلَى ربه عز وجل، فقال : الحمد لله الّذِي كلمني تكليماً وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني إسرائيل عَلَى يدي، وجعل مِنَ أمتي قوماً يهدون بالحق وبه يعدلون، ثُمَّ أنَّ داود عَلَيْهِ السَّلامُ أثنى عَلَى ربه، فقال : الحمد لله الّذِي جعل لي ملكاً عظيماً، وعلمني الزبور وألان لي الحديد وسخر لي الجبال يسبحن والطير وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب، ثُمَّ أنَّ سليمان عَلَيْهِ السَّلامُ أثنى عَلَى ربه، فقال : الحمد لله الّذِي سخر لي الرياح وسخر لي الشياطين يعملون ما شئت مِنْ محاريب وتماثيل وجفان كالجوارب وقدور راسيات وعلمني منطق الطير وآتاني مِنْ كُلّ شيء فضلاً وسخر لي جنود الشياطين والإِنْس والطير وفضلني عَلَى كثير مِنْ عباده المؤمنين وآتاني ملكاً عظيماً لا ينبغي لأحد مِنْ بعدي وجعل ملكي ملكاً طيباً ليس فيه حساب، ثُمَّ إِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ أثنى عَلَى ربه، فقال : الحمد لله الّذِي جعلني كلمته وجعل مثلي مثل أدم خلقه مِنْ تراب، ثُمَّ قَالَ لَهُ : كن فيكون وعلمني الْكِتَاب والحكمة والتوراة والإنجيل وجعلني أخلق مِنَ الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وجعلني أبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله ورفعني وطهرني وأعاذني وأمي مِنَ الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان علينا سبيل، ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أثنى عَلَى ربه عز وجل، فقال : " كلكم أثنى عَلَى ربه واني مثن عَلَى ربي " قَالَ : الحمد لله الّذِي أرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس بشيراً ونذيراً، وأنزل عَلَى الفرقان فيه تبيان لكل شيء وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس وجعل أمتي أمة وسطاً وجعل أمتي هم الأولون والآخرون، وشرح لي صدري ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحاً وخاتماً، فقال إبراهيم عَلَيْهِ السَّلامُ : بهذا فضلكم مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، " ثُمَّ أتى بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها فأتى بإناء منها فيه ماء، فقيل : اشرب فشرب منه يسيراً ثُمَّ رفع إليه إناء آخر فيه لبن، فقيل : اشرب، فشرب منه حتى روى، ثُمَّ رفع إليه إناء آخر فيه الخمر، فقيل لَهُ : اشرب، فقال : لا أريده قد رويت، فقال لَهُ جبريل عَلَيْهِ السَّلامُ : أما إنها ستحرم علي أمتك ولو شربت منها لَمْ يتبعك مِنَ أمتك إلا قليل ثُمَّ صعد بي إِلَى السَّمَاء، فاستفتح، فقيل : مِنْ هَذَا يا جبريل ؟ قَالَ : هَذَا مُحَمَّد، قالوا : وقد أَرْسَلَ إليه ؟، قَالَ : نعم، قالوا : حياه الله مِنَ أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيئ جاء، فدخل فإذا هُوَ برجل تام الخلق لَمْ ينقص مِنْ خلقه شيء كما ينقص مِنْ خلق الناس، عَلَى يمينه باب يخرج منه ريح طيبة وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة إِذَا نظر إِلَى الباب الّذِي عَنْ يمينه فرح وضحك وَإِذَا نظر إِلَى الباب الّذِي عَنْ يساره بكى وحزن، فقلت : يا جبريل، مِنْ هَذَا ؟، قَالَ : هَذَا أبوك آدم، وهذا الباب الّذِي عَنْ يمينه باب الْجَنَّة إِذَا نظر إلى مِنْ يدخله مِنْ ذريته ضحك واستبشر، والباب الّذِي عَنْ شماله باب جهنم إِذَا نظر إِلَى مِنْ يدخله بكى وحزن، ثُمَّ صعد بي جبريل عَلَيْهِ السَّلامُ إِلَى السَّمَاء الثانية، فاستفتح قِيلَ مِنْ هَذَا معك ؟ قَالَ : مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالوا : وقد أَرْسَلَ إليه ؟ قَالَ : نعم، قالوا : حياة الله مِنَ أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فإذا هُوَ بشابين، قَالَ : يا جبريل، مِنْ هذان ؟، قَالَ : عِيسَى بن مريم، ويحيي بن زكريا فصعد به إِلَى السَّمَاء الثالثة، فاستفتح، فقالوا : مِنْ هَذَا ؟، قَالَ : جبريل، قالوا : ومن معك ؟ قَالَ : مُحَمَّد، قالوا : وقد أَرْسَلَ إليه ؟ قَالَ : نعم، قالوا : حياه الله مِنَ أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هُوَ برجل قد فضل علي الناس في الحسن كما فضل القمر ليلة البدر علي سائر الكواكب، قَالَ : مِنْ هَذَا يا جبريل ؟ قَالَ : هَذَا أخوك يوسف عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ صعد بي إِلَى السَّمَاء الرابعة، فاستفتح، فقيل : مِنْ هَذَا ؟ قَالَ : جبريل، قالوا : ومن معك ؟ قَالَ : مُحَمَّد، قالوا : وقد أَرْسَلَ إليه، قَالَ : نعم، قالوا : حياه الله مِنَ أخ ومن خليفه، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هُوَ برجل، قَالَ : مِنْ هَذَا يا جبريل ؟، قَالَ : هَذَا إدريس رفعه الله مكاناً علياً، ثُمَّ صعد إِلَى السَّمَاء الخامسة، فاستفتح فقيل : مِنْ هَذَا ؟ قَالَ : جبريل، قِيلَ ومن معك ؟ قَالَ : مُحَمَّد، قالوا : وقد أَرْسَلَ إليه ؟، قَالَ : نعم، قالوا : مرحباً به حياه الله مِنَ أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، ثُمَّ دَخَلَ فإذا هُوَ برجل جالس وحوله قوم يقص عَلَيْهِمْ، قَالَ : مِنْ هَذَا يا جبريل ومن هؤلاء حوله ؟، قَالَ : هَذَا هارون المحبب وهؤلاء بنو إسرائيل، ثُمَّ صعد به إِلَى السَّمَاء السادسة، فاستفتح فقيل لَهُ : مِنْ هَذَا ؟ قَالَ : جبريل، قِيلَ : ومن معك ؟، قَالَ : مُحَمَّد، قالوا : وقد أَرْسَلَ إليه ؟ قَالَ : نعم، قالوا : حياه الله مِنَ أخ وخليفة، فنعم الأخ، ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فإذا هُوَ برجل جالس فجاوزه، فبكى الرجل، قَالَ : يا جبريل مِنْ هَذَا ؟ قَالَ : موسى، قَالَ : فَمَا لَهُ يبكي ؟ قَالَ : زعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم علي الله وهذا رجل مِنْ بني آدم قد خلفني في دنيا وأنا في أخرى، فلو أنه بنفسه لَمْ أبال ولكن مع كُلّ نَبِيّ أمته

تفسير هذه الآية من كتب أخرى