اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾.
العامَّة على نصب " ذريَّة " وفيها أوجه :
أحدها : أنها منصوبةٌ على الاختصاص، وبه بدأ الزمخشري.
الثاني : أنَّها منصوبة على البدل من " وكيلاً "، أي : ألاَّ تتخذوا من دوني ذرية من حملنا.
الثالث : أنها منصوبة على البدل من " مُوسَى " ذكره أبو البقاء، وفيه بعدٌ.
الرابع : أنها منصوبة على المفعول الأول ل " تتخذوا " والثاني هو " وكيلاً " فقدِّم، ويكون " وكيلاً " ممَّا وقع مفرد اللفظ، والمعنيُّ به جمعٌ، أي : لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح وكيلاً كقوله :﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَاباً﴾ [آل عمران: ٨٠].
الخامس : أنها منصوبة على النداء، أي : يا ذرية من حملنا، وهو قول مجاهد وخصَّ الواحديُّ هذا الوجه بقراءة الخطاب في " تتَّخذوا " وهو واضحٌ عليها، إلا أنه لا يلزم، وإن كان مكيٌّ قد منع منه ؛ فإنه قال :" فأمَّا من قرأ " لا يتخذوا " بالياء ف " ذرية " مفعول لا غير، ويبعد النداء ؛ لأن الياء للغيبة، والنداء للخطاب، فلا يجتمعان إلا على بعدٍ " وليس كما زعم ؛ إذ يجوز أن ينادي الإنسان شخصاً، ويخبر عن آخر، فيقول :" يَا زيْدُ، يَنطلِقُ بَكْرٌ، وفعَلتَ كذا " و " يَا زَيْدُ لِيفْعَلْ عَمرٌو كَيْتَ وكَيْتَ ".
السادس : قال مكيٌّ : وقيل : نصب على إضمار " أعْني " (١). وقرأت(٢) فرقة ذُريَّةُ " بالرفع، وفيها وجهان :
أحدهما : أنها خبر مبتدأ مضمرٍ تقديره : هم ذريَّة، ذكره أبو البقاء(٣) وليس بواضحٍ.
والثاني : أنها بدل من واو " تتخذوا " قال ابن عطية :" ولا يجوز ذلك في القراءة بالتاء، لأنك لا تبدل من ضمير المخاطب، لو قلت :" ضَربْتُكَ زيداً " على البدل، لم يجزْ ".
وردَّ عليه أبو حيَّان هذا الإطلاق، وقال :" ينبغي التفصيل، وهو إن كان بدل بعض أو اشتمال، جاز، وإن كان كلاًّ من كلٍّ، وأفاد الإحاطة ؛ نحو :" جِئْتُم كَبِيرُكم وصَغِيركُمْ " جوَّزه الأخفش والكوفيون ".
قال :" وهو الصحيح ".
قال شهاب الدين : وتمثيل ابن عطيَّة بقوله " ضَربْتُكَ زيْداً " قد يدفع عنه هذا الرَّد.
وقال مكيٌّ :" ويجوز الرفع في الكلام على قراءة من قرأ بالياء على البدل من المضمر في " يَتَّخذوا " ولا يحسن ذلك في قراءة التاء ؛ لأنَّ المخاطب لا يبدل منه الغائب، ويجوز الخفض على البدل من بني إسرائيل ".
قال شهاب الدِّين : أمَّا الرفع، فقد تقدَّم أنه قرئ به، وكأنه لم يطَّلعْ عليه، وأمَّا الجرُّ فلم يقرأ به فيما علمت، ويرد عليه في قوله " لأنَّ المخاطب لا يبدل منه الغائب " ما ورد على ابن عطيَّة، بل أولى ؛ لأنه لم يذكر مثالاً يبيّن مراده، كما فعل ابن عطيَّة.
قوله :﴿مَنْ حَمَلْنَا﴾ : يجوز أن تكون موصولة، وموصوفة.
قال قتادة : النَّاسُ كلُّهم ذرية نوح - عليه السلام - لأنَّه كان معه في السَّفينةِ ثلاث بنينَ : سَام وحَام ويَافث، والناس كلُّهم من ذريَّة أولئك، فكأن قوله : يا ذرية من حَملْنَا مَع نُوحٍ قام مقام ﴿يَاأَيُّهَا الناس﴾(٤) [البقرة: ٢١].
وهذا يدلُّ على أنه ذهب إلى أنه منصوبٌ على النداء، وقد تقدَّم نقله عن مجاهدٍ أيضاً.
ثم إنه تعالى أثنى على نوح، فقال :﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ أي : كثير الشُّكرِ، روي أنه - عليه السلام - كان إذا أكل قال :" الحَمْدُ للهِ الَّذي أطْعَمنِي، ولو شَاءَ لأجَاعَنِي "، وإذَا شَرِبَ، قَالَ " الحَمْدُ للهِ الَّذي أسْقانِي ولَوْ شَاءَ لأظْمَأنِي "، وإذا اكتسى، قال :" الحَمدُ للهِ الَّذي كَسانِي، ولو شَاءَ أعْرَانِي "، وإذا احْتَذَى، قال :" الحَمْدُ للهِ الَّذي حَذانِي، ولوْ شَاءَ أحْفَانِي "، وإذَا قَضَى حاجَتهُ، قال :" الحَمْدُ للهِ الَّذي أخْرجَ عنِّي الأذى في عَافيةٍ، ولوْ شَاءَ حَبَسهُ " (٥).
ورُوِيَ أنه كان إذا أراد الإفطار، عرض طعامهُ على من آمن به فإن وجده محتاجاً، آثرهُ به.
فإن قيل : ما وجه ملائمةِ قوله :﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ بما قبله ؟ فالجواب(٦) : التقدير : كأن قيل : لا تَتَّخذُوا من دوني وكيلاً، ولا تشركوا بي ؛ لأنَّ نوحاً - عليه السلام - كان عبداً شكوراً، وإنما يكون شكوراً، إذا كان موحِّداً لا يرى حصول شيءٍ من النعم إلاَّ من فضل الله، وأنتم ذرية قومه، فاقتدوا بنوحٍ، كما أن آباءكم اقتدوا به.
١ سقط من أ..
٢ وهي قراءة مجاهد ينظر: الشواذ ٧٤، والكشاف ٢/٦٤٨، والبحر ٦/٧، والدر المصون ٤/٣٧٠..
٣ ينظر: الإملاء ٢/٨٨..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٨) عن قتادة وورد معناه أيضا عن مجاهد ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٢٩٤) وعزاه إلى ابن أبي حاتم..
٥ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٠/١٤٠) عن عمران بن سليم..
٦ ينظر: الفخر الرازي ٢٠/١٢٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى