جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَقَضَيْنَآ إِلَىَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنّ فِي الأرْضِ مَرّتَيْنِ وَلَتَعْلُنّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مّفْعُولاً﴾.
وقد بيّنا فيما مضى قبل أن معنى القضاء : الفراغ من الشيء، ثم يستعمل في كلّ مفروغ منه، فتأويل الكلام في هذا الموضع : وفرغ ربك إلى بني إسرائيل فيما أنزل من كتابه على موسى صلوات الله وسلامه عليه بإعلامه إياهم، وإخباره لهم لَتُفْسِدُنّ فِي الأرْضِ مَرّتَيْنِ يقول : لتعصنّ الله يا معشر بني إسرائيل ولتخالفنّ أمره في بلاده مرّتين وَلَتَعْلُنّ عَلُوّا كَبِيرا يقول : ولتستكبرنّ على الله باجترائكم عليه استكبارا شديدا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قول الله : وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرَائيِلَ قال : أعلمناهم.
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله : وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرَائِيلَ يقُول : أعلمناهم.
وقال آخرون : معنى ذلك : وقضينا على بني إسرائيل في أمّ الكتاب، وسابق علمه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرَائِيلَ قال : هو قضاء قضى عليهم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سيعد، عن قتادة، قوله : وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرَائِيلَ قضاء قضاه على القوم كما تسمعون.
وقال آخرون : معنى ذلك : أخبرنا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرَائِيلَ فِي الكِتابِ قال : أخبرنا بني إسرائيل.
وكلّ هذه الأقوال تعود معانيها إلى ما قلت في معنى قوله : وَقَضَيْنا وإن كان الذي اخترنا من التأويل فيه أشبه بالصواب لإجماع القرّاء على قراءة قوله لَتُفْسِدُنّ بالتاء دون الياء، ولو كان معنى الكلام : وقضينا عليهم في الكتاب، لكانت القراءة بالياء أولى منها بالتاء، ولكن معناه لما كان أعلمناهم وأخبرناهم، وقلنا لهم، كانت التاء أشبه وأولى للمخاطبة. وكان فساد بني إسرائيل في الأرض المرّة الأولى ما :
حدثني به هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ في خبر ذكره عن أبي صالح، وعن أبي مالك، عن ابن عباس، وعن مرّة، عن عبد الله أن الله عهد إلى بني إسرائيل في التوراة لَتُفْسِدُنّ فِي الأرْضِ مَرّتَيْنِ فكان أوّل الفسادين : قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، وكان يُدعى صحابين فبعث الجنود، وكان أساورته من أهل فارس، فهم أولو بأس شديد، فتحصنت بنو إسرائيل، وخرج فيهم بختنصر يتيما مسكينا، إنما خرج يستطعم، وتلطف حتى دخل المدينة فأتى مجالسهم، فسمعهم يقولون : لو يعلم عدوّنا ما قُذف في قلوبنا من الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا، فخرج بختنصر حين سمع ذلك منهم، واشتدّ القيام على الجيش، فرجعوا، وذلك قول الله : فإذَا جاء وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عبادا لنَا أُولى بَأْسٍ شَدِيدٍ، فَجاسُوا خِلالَ الدّيارِ وكانَ وَعْدا مَفْعولاً ثم إن بني إسرائيل تجهّزوا، فغزوا النبط، فأصابوا منهم واستنقذوا ما في أيديهم، فذلك قول الله ثُمّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكُمْ بأمْوَالٍ وَبَنِينَ، وَجَعَلْناكُمْ أكْثَرَ نَفِيرا يقول : عددا.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : كان إفسادهم الذي يفسدون في الأرض مرّتين : قتل زكريا ويحيى بن زكريا، سلط الله عليهم سابور ذا الأكتاف ملكا من ملوك فارس، من قتل زكريا، وسلّط عليهم بختنصر من قتل يحيى.
حدثنا عصام بن رواد بن الجراح، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا سفيان بن سعيد الثوري، قال : حدثنا منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، قال : سمعت حُذيفة بن اليمان يقول : قال رسول الله ﷺ :«إنّ بَنِي إسْرَائِيلَ لَمّا اعْتَدَوْا وَعَلَوْا، وَقَتَلُوا الأنْبِياءَ، بَعَثَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكَ فارِسَ بُخْتَنَصّر، وكانَ اللّهُ مَلّكَهُ سَبْعَ مئَةِ سَنةٍ، فَسارَ إلَيْهِمْ حتى دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ فَحاصَرَهَا وَفَتَحَها، وَقَتَلَ عَلي دَمِ زَكَرِيّا سَبْعِينَ ألْفا، ثُمّ سَبِي أهْلَها وَبَنِي الأَنْبِياءِ، وَسَلَبَ حُليّ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَاسْتَخْرَجَ مِنْها سَبْعِينَ ألْفا وَمِئَةَ ألْفِ عَجَلَةٍ مِنْ حُلِيَ حتى أوْرَدَهُ بابِلَ » قال حُذيفة : فقتل : يا رسول الله لقد كان بيت المقدس عظيما عند الله ؟ قال :«أجَلْ بَناهُ سُلَيْمانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ ذَهَبٍ وَدُرّ وَياقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ، وكانَ بَلاطُهُ بَلاطَةً مِنْ ذَهَبٍ وَبَلاطَةً مِنْ فَضّةٍ، وعُمُدُهُ ذَهَبا، أعْطاهُ اللّهُ ذلكَ، وسَخّرَ لَهُ الشّياطينَ يَأْتُونَهُ بِهِذِهِ الأشْياءِ فِءَ طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَسارَ بُخْتَنَصّر بهذهِ الأشيْاءِ حتى نَزَلَ بِها بابِلَ، فَأقامَ بَنُوا إسْرَائيلَ فِي يَدَيِهِ مِئَةَ سَنَةٍ تُعَذّبُهُمُ المَجُوسُ وأبْناءُ المَجُوسِ، فِيهِمُ الأنْبِياءُ وأبْناءُ الأنْبِياءِ ثُمّ إنّ اللّهَ رَحِمَهُمْ، فأوْحَى إلى مَلِكِ مِنْ مُلُوكِ فارِسَ يُقالُ لُهُ كُورَسُ، وكانَ مُؤْمِنا، أنْ سِرْ بَقايَا بَنِي إسْرَائِيلَ حتى تَسْتَنْقِذَهُمْ، فَسارَ كُورَسُ بِبَني إسْرَائِيل وحُليّ بَيْتِ المَقْدِسِ حتى رَدّهُ إلَيْهِ، فَأقامَ بَنُوا إسْرَائِيلَ مُطِيعينَ لِلّهِ مِئَةَ سَنَةِ، ثُمّ إنّهُمْ عادُوا فِي المَعاصِي، فَسَلّطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ابْطِيانْحُوسَ، فَغَزَا بأْبْناءِ مَنْ غَزَا مَعَ بُخْتَنَصّر، فَغَزَا بَنِي إسْرَائِيلَ حتى أتاهُمْ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَسَبي أهْلَها، وأحْرَقَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وَقالَ لَهُمْ : يا بَنِي إسْرَائِيلَ إنْ عُدْتُمْ فِي المَعاصِي عُدْنا عَلَيْكُمْ بالسّباءِ، فَعادُوا فِي المَعاصِي، فَسَيّرَ اللّهُ عَلَيْهِمُ السّباءَ الثّالِثَ مَلِكَ رُومِيّةَ، يُقالُ لَهُ قاقِسُ بْنُ إسْبايُوس، فَغَزَاهُمْ فِي البَرّ والبَحْرِ، فَسَباهُمْ وَسَبَى حُلِيّ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأحْرَقَ بَيْتَ المَقْدِسِ بالنّيرانِ » فقال رسول الله ﷺ :«هذَا مِنْ صَنْعَةِ حُلِيّ بَيْتِ المقدس، ويَرُدّهُ المَهْدِيّ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وَهُوَ ألْفُ سَفِينَةٍ وسَبْعُ مِئَةٍ سَفِينَةٍ، يُرْسَى بِها عَلى يافا حتى تُنْقَلَ إلى بَيْتِ المَقْذِسِ، وبِها يَجْمَعُ اللّهُ الأوّلِينَ والآخرين ».
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني ابن إسحاق، قال : كان مما أنزل الله على موسى في خبره عن بني إسرائيل، وفي أحداثهم ما هم فاعلون بعده، فقال : وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرَائِيلَ فِي الكتابِ لَتُفْسِدّنّ فِي الأرْضِ مَرّتَيْنِ، وَلَتَعْلُنّ عُلُوّا كَبِيرا. . . إلى قوله : وَجَعَلْنا جَهَنّمَ للْكافرِينَ حَصِيرا فكانت بنو إسرائيل، وفيهم الأحداث والذنوب، وكان الله في ذلك متجاوزا عنهم، متعطفا عليهم محسنا إليهم، فكان مما أُنزل بهم في ذنوبهم ما كان قدّم إليهم في الخبر على لسان موسى مما أنزل بهم في ذنوبهم. فكان أول ما أنزل بهم من تلك الوقائع، أن ملكا منهم كان يُدعي صديقة، وكان الله إذا ملّك الملِك عليهم، بعث نبيا يسدّده ويرشده، ويكون فيما بينه وبين الله، ويحدث إليه في أمرهم، لا ينزل عليهم الكتب، إنما يؤمرون باتباع التوراة والأحكام التي فيها، وينهونهم عن المعصية، ويدعونهم إلى ما تركوا من الطاعة فلما ملك ذلك الملك، بعث الله معه شعياء أمُصيا، وذلك قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى وشعياء الذي بشّر بعيسى ومحمد، فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زمانا فلما انقضى ملكه عظمت فيهم الأحداث، وشعياء معه، بعث الله عليهم سنحا ريب ملك بابل، ومعه ستّ مئة ألف راية، فأقبل سائرا حتى نزل نحو بيت المقدس، والملك مريض في ساقه قرحة، فجاء النبيّ شعياء، فقال له : يا ملك بني إسرائيل إن سنحاريق ملك بابل، قد نزل بك هو وجنوده ستّ مئة ألف راية، وقد هابهم الناس وفرَقوا منهم، فكبر ذلك على الملك، فقال : يا نبيّ الله هل أتاك وحي من الله فيما حدث، فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنحاريب وجنوده ؟ فقال له النبيّ عليه السلام : لم يأتني وحي أحدث إليّ في شأنك. فبيناهم على ذلك، أوحى الله إلى شعياء النبيّ : أن ائت ملك بني إسرائيل، فمره أن يوصي وصيته، ويستخلف على ملكه من شاء من أهل بيته. فأتى النبيّ شيعاء ملك بين إسرائيل صديقة، فقال له : إن ربك قد أوحى إليّ أن آمرك أن توصي وصيتك، وتستخلف من شئت على مُلكك من أهل بيتك، فإنك ميت فلما قال ذلك شعياء لصديقة، أقبل على القبلة، فصلى وسبح ودعا وبكى، فقال وهو يبكي ويتضرّع إلى الله بقلب مخلص وتوكل وصبر وصدق وظنّ صادق. اللهمّ ربّ الأرباب، وإله الآلهة، قدّوس المتقدسين، يا رحمن يا رحيم، المترحم الرؤوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، اذكرني بعملي وفعلي وحُسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك، فأنت أعلم به من نفسي سرّي وعلانيتي لك وإن الرحمن استجاب له، وكان عبدا صالحا، فأوحى الله إلى شعياء أن يخبر صديقة الملك أن ربه قد استجاب له وقبل منه ورحمه، وقد رأى بكاءه، وقد أخّر أجله خمس عشرة سنة، وأنجاه من عدوّه سنحاريب ملك بابل وجنوده، فأتى شعياء النبيّ إلى ذلك الملك فأخبره بذلك، فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع، وانقطع عنه الشرّ والحزن، وخرّ ساجدا وقال : يا إلهي وإله آبائي، لك سجدت وسبّحت وكرمت وعظمت، أنت الذي تعطي المُلك من تشاء، وتنزعه ممن تشاء، وتعزّ من تشاء، وتذلّ من تشاء، عالم الغيب والشهادة، أنت الأوّل والاَخر، والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرّين، أنت الذي أحببت دعوتي ورحمت تضرّعي فلما رفع رأسه، أوحى الله إلى شعياء إن قل للملك صديقة فيأمر عبدا من عبيده بالتينة، فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى، ويصبح وقد برأ، ففعل ذلك فشفي. وقال الملك لشعياء النبيّ : سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدوّنا هذا. قال : فقال الله لشعياء النبيّ : قل له : إني قد كفيتك عدوّك، وأنجيتك منه، وإنهم سيصبحون موتى كلهم إلاّ سنحاريب وخمسة من كتابه فلما أصبحوا جاءهم صارخ ينبئهم، فصرخ على باب المدينة : يا ملك بني إسرائيل، إن الله قد كفاك ع

تفسير هذه الآية من كتب أخرى