اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿كَمَا يَقُولُونَ﴾ : الكافُ في موضع نصبٍ، وفيها وجهان :
أحدهما : أنها متعلقة بما تعلَّقت به " مع " من الاستقرار، قاله الحوفيُّ.
والثاني : أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي : كوناً كقولكم ؛ قاله أبو البقاء(١).
وقرأ(٢) ابن كثير وحفص " يقولون " بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق، وكذا قوله بعد هذا ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء: ٤٣]، قرأه بالخطاب الأخوان، والباقون بالغيبة فتحصَّل من مجموع الأمر ؛ أنَّ ابن كثير وحفصاً يقرآنهما بالغيبة، وأن الأخوين قرءوا بالخطاب فيهما، وأن الباقين قرءوا بالغيبة في الأول، وبالخطاب في الثاني.
فوجه قراءة الغيب فيهما أنه : حمل الأوَّل على قوله :﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً﴾ [الإسراء: ٤١]، وحمل الثاني عليه، ووجه الخطاب فيهما : أنه حمل الأوَّل على معنى : قل لهم يا محمد لو كان معه آلهةٌ كما تقولون، وحمل الثاني عليه.
ووجه الغيب في الأول : أنه حمله على قوله " ومَا يَزِيدهُمْ " والثاني التفت فيه إلى خطابهم.
قوله :" إذَنْ " حرف جوابٍ وجزاءٍ، قال الزمخشريُّ : وإذن دالَّة على أنَّ ما بعدها، وهو " لابتَغَوا " جواب لمقالةِ المشركين، وجزاءٌ ل " لَوْ ".
وأدغم أبو عمرٍو الشين في السين، واستضعفها النحاة ؛ لقوَّة الشِّين.

فصل في معنى الآية


المعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين :﴿لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ﴾ لطلبوا - يعني الآلهة - ﴿إلى ذِي العرش سَبِيلاً﴾ بالمغالبة والقهر ؛ ليزيلوا ملكه ؛ كفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض، وهذا يرجع إلى دليل التمانع، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - عند قوله - عزَّ وجلَّ - في سورة الأنبياء - صلوات الله عليهم - ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وقيل : المعنى : لطلبوا - يعني الآلهة - ﴿إلى ذِي العرش سَبِيلاً﴾ بالتقرُّب إليه، لأنَّ الكفار كانوا يقولون :﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣].
فقال تعالى : لو كانت هذه الأصنام تقربكم إلى الله زلفى، لطلبت لأنفسها أيضاً القرب إلى الله تعالى، فكيف يعقل أن تقربكم إلى الله،
١ ينظر: الإملاء ٢/٩٢..
٢ ينظر: السبعة ٣٨١، والحجة ٤٠٤، والنشر ٢/٣٠٧، والتيسير ١٤٠، والإتحاف ٢/١٩٩، والحجة للفارسي ٥/١٠٦، والوسيط ٣/٢٠٩، والبحر ٦/٣٧، والدر المصون ٤/٣٩٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى