غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
ثم توعده في ذلك أشد الوعيد فقال :﴿إذا لأذقناك﴾ أي لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون لأذقناك ﴿ضعف الحياة وضعف الممات﴾ أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. والضعف عبارة عن ضم الشيء إلى مثله. وقال صاحب الكشاف : المراد عذاب الممات وهو عذاب القبر، وعذاب الحياة وهو عذاب حياة الآخرة أي عذاب النار. والعذاب يوصف بالضعف كقوله :﴿فزده عذابا ضعفاً في النار﴾ [ص: ٦١] بمعني مضاعفاً فكان أصل الكلام عذاباَ ضعفاً في الحياة الدنيا وعذاباً ضعفاً في الممات، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت الصفة كإضافة الموصوف فقيل : ضعف الحياة وضعف الممات كما لو قيل : لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات. وقال التفسير الكبير : حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همك لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة، ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة. والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعالى في حق الأنبياء أكثر فكانت ذنوبهم وكذا عقوبتهم أعظم نظير ﴿يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾
[الأحزاب: ٣٠] ثم إن إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه لأن دليل الخطاب لا حجة فيه فقد يرتقى الضعف إلى مالا حد له كما جاء في الحديث :" من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " ﴿ثم لا تجد لك علينا نصيراً﴾ يعني لو أذقناك ذلك لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا. واعلم أن القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها. والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها فلا يلزم من الآية طعن في عصمة النبي ﷺ. وفيه أنه لا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله وتثبيته على الحق. وقالت المعتزلة : المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة عن ذلك وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده كونه نبياً من عنده. وأجيب بأنه لو لم يوجد المقتضى للإقدام على ذلك الفعل المحذور لم يكن إلى إيجاد المانع حاجة، وليس ذلك المقتضي إلا القدرة مع الداعي ولا ذلك المانع إلا داعية أخرى معارضة للداعي الأول وقد أوجدها الله تعالى عقيب ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ أي من عمى قلوبهم ﴿ولولا أن ثبتناك﴾ بالقول الثابت وهو قول " لا إله إلا الله " إلى أن بلغت حقيقة " لا إله إلا الله " ﴿شيئاً قليلاً﴾ وإنما وصفه بالقلة لأن بشريته مغلوبة وروحانيته غالبة. ﴿ضعف الحياة وضعف الممات﴾ أي نحيي نفسك وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها على الروح ونميت قلبك. وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وبعده عن الحق. ﴿سنة من قد أرسلنا﴾ أي جرت عادة الله تعالى بأن يجعل لكل نبي عدواً يؤذيه ويمكر به. ثم بين طريق خلاص الأنبياء والأولياء عن ورطة الابتلاء فقال :﴿أقم الصلاة﴾ أي أدّها بالقلب الحاضر نهاراً وليلاً. ﴿إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ بشواهد الحق بل الحق مشهود له. ثم ﴿أدخلني مدخل صدق﴾ يعني السير في الله بالله ﴿وأخرجني مخرج صدق﴾ من حولي وأنانيتي ﴿واجعل لي من لدنك﴾ لا من لدن غيرك. وفيه أن كل ذي مقام فإنه لا يصل إلى مقام إلا بسعي يلائم الوصول إلى ذلك المقام كقوله :﴿وسعى لها سعيها﴾ [الإسراء: ١٩]. " روي أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يعرض حاجة فقال ﷺ : ما تريد ؟ فقال : مرافقتك في الجنة. فقال ﷺ : أو غير ذلك ؟ فقال الرجل : بلى مرافقتك في الجنة. فقال النبي ﷺ : فأعني على نفسك بكثرة السجود " ﴿جاء الحق﴾ من الواردات والشواهد وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿وزهق الباطل﴾ وهو كل ما خلا الله من الموجودات ومن الخواطر كقوله :
*** ألا كل شيء ما خلا الله باطل***
﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء﴾ لأن كلام الحبيب طبيب القلوب
*** إن الأحاديث من سلمى تسليني***
﴿قل الروح من أمر ربي﴾ قال العارفون : لله تعالى عالمان : عالم الأمر الذي خلق لا من شيء، وعالم الخلق الذي خلق من شيء ويعبر عنهما بالآخرة والدنيا والملكوت والملك والغيب والشهادة. والمعنى والصورة والباطن والظاهر والأرواح والأجسام، وما روي أنه ﷺ قال :" أول ما خلق الله جوهرة " - وفي رواية - " درّة فنظر إليها فذابت " " أول ما خلق الله اللوح " " أول ما خلق الله روحي " وفي رواية " نوري " " وأول ما خلق الله العقل " " وأول ما خلق الله القلم " وما قيل عن بعض السلف إن أول ما خلق الله على الإطلاق ملك كروبي. فالأسماء مختلفة والمسمى واحد وهو روح النبي ﷺ. فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمي درة وجوهرة، وباعتبار نورانيته سمي نوراً، وباعتبار وفور عقله سمي عقلاً، إذ قال له أقبل إلى الدنيا رحمة للعالمين فأقبل. ثم قال له : أدبر أي ارجع إلى ربك فأدبر عن الدنيا ورجع إلى المعراج، ثم قال له : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك، بك أعرف، وبك آخذ، يعني طاعة من أخذ منك الدين والشريعة، وبك أعطي أي بشفاعتك أعطي الدرجات العالية، وبك أعاقب الكافرين وبك أثبت المؤمنين. وباعتبار جريان الأمور على وفق متابعته والاقتداء به سمي قلماً، وباعتبار غلبات صفات الملائكة عليه سمي ملكاً كروبياً، ولأن كل الأرواح خلقت من روحه كان أم الأرواح وروحها فلهذا قيل له " أمي ". وقد ورد في الحديث :" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة " ولما كان الروح خليفة الله تعالى اتصف بالأزلية دون الأبدية، ولما كان الجسد خليفة الروح فبالروح قوامه وقيامه لم يكن الجسد أزلياً ولا أبدياً إلا بتبعية الروح. ثم أخبر عن عزة القرآن وغيرة الرحمن بقوله :﴿ولئن شئنا لنذهبن﴾ الآية. وفيه أنه لا يقدر على الإتيان والذهاب به إلا الله تعالى لكنه أكد هذا المعنى بقوله :﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن﴾ والمراد بالجن كل ما هو مستور عن العيون فيتناول الملائكة أيضاً. وفيه أنه لا مثل لصفاته حتى الكلام كما أنه لا مثل لذاته والله تعالى أعلم بالصواب.
[الأحزاب: ٣٠] ثم إن إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه لأن دليل الخطاب لا حجة فيه فقد يرتقى الضعف إلى مالا حد له كما جاء في الحديث :" من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " ﴿ثم لا تجد لك علينا نصيراً﴾ يعني لو أذقناك ذلك لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا. واعلم أن القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها. والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها فلا يلزم من الآية طعن في عصمة النبي ﷺ. وفيه أنه لا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله وتثبيته على الحق. وقالت المعتزلة : المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة عن ذلك وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده كونه نبياً من عنده. وأجيب بأنه لو لم يوجد المقتضى للإقدام على ذلك الفعل المحذور لم يكن إلى إيجاد المانع حاجة، وليس ذلك المقتضي إلا القدرة مع الداعي ولا ذلك المانع إلا داعية أخرى معارضة للداعي الأول وقد أوجدها الله تعالى عقيب ذلك.
*** ألا كل شيء ما خلا الله باطل***
﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء﴾ لأن كلام الحبيب طبيب القلوب
*** إن الأحاديث من سلمى تسليني***
﴿قل الروح من أمر ربي﴾ قال العارفون : لله تعالى عالمان : عالم الأمر الذي خلق لا من شيء، وعالم الخلق الذي خلق من شيء ويعبر عنهما بالآخرة والدنيا والملكوت والملك والغيب والشهادة. والمعنى والصورة والباطن والظاهر والأرواح والأجسام، وما روي أنه ﷺ قال :" أول ما خلق الله جوهرة " - وفي رواية - " درّة فنظر إليها فذابت " " أول ما خلق الله اللوح " " أول ما خلق الله روحي " وفي رواية " نوري " " وأول ما خلق الله العقل " " وأول ما خلق الله القلم " وما قيل عن بعض السلف إن أول ما خلق الله على الإطلاق ملك كروبي. فالأسماء مختلفة والمسمى واحد وهو روح النبي ﷺ. فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمي درة وجوهرة، وباعتبار نورانيته سمي نوراً، وباعتبار وفور عقله سمي عقلاً، إذ قال له أقبل إلى الدنيا رحمة للعالمين فأقبل. ثم قال له : أدبر أي ارجع إلى ربك فأدبر عن الدنيا ورجع إلى المعراج، ثم قال له : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك، بك أعرف، وبك آخذ، يعني طاعة من أخذ منك الدين والشريعة، وبك أعطي أي بشفاعتك أعطي الدرجات العالية، وبك أعاقب الكافرين وبك أثبت المؤمنين. وباعتبار جريان الأمور على وفق متابعته والاقتداء به سمي قلماً، وباعتبار غلبات صفات الملائكة عليه سمي ملكاً كروبياً، ولأن كل الأرواح خلقت من روحه كان أم الأرواح وروحها فلهذا قيل له " أمي ". وقد ورد في الحديث :" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة " ولما كان الروح خليفة الله تعالى اتصف بالأزلية دون الأبدية، ولما كان الجسد خليفة الروح فبالروح قوامه وقيامه لم يكن الجسد أزلياً ولا أبدياً إلا بتبعية الروح. ثم أخبر عن عزة القرآن وغيرة الرحمن بقوله :﴿ولئن شئنا لنذهبن﴾ الآية. وفيه أنه لا يقدر على الإتيان والذهاب به إلا الله تعالى لكنه أكد هذا المعنى بقوله :﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن﴾ والمراد بالجن كل ما هو مستور عن العيون فيتناول الملائكة أيضاً. وفيه أنه لا مثل لصفاته حتى الكلام كما أنه لا مثل لذاته والله تعالى أعلم بالصواب.