التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ومع عجز المشركين عن الإِتيان بسورة من مثل القرآن الكريم إلا أنهم استمروا فى طغيانهم يعمهون، وأبوا التذكر والتدبر، ولقد صور - سبحانه - أحوالهم أكمل تصوير فقال :﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾.
أى : ولقد صرفنا وكررنا ونوعنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل، أى : من كل معنى بديع، هو كالمثل فى بلاغته، وإقناعه للنفوس، وشرحه للصدور، واشتماله على الفوائد الجمة...
ومفعول :﴿صرفنا﴾ محذوف، والتقدير : ولقد صرفنا الهدايات والعبر بوجوه متعددة..
وقوله - سبحانه - :﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾ بيان لموقف الفاسقين عن أمر ربهم من هدايات القرآن الكريم وتوجيهاته، وأوامره ونواهيه.
أى : فأبى أكثر الناس الاستجابة لهديه، وامتنعوا عن الإِيمان بأنه من عند الله - تعالى - وجحدوا آياته وإرشاداته، وعموا وصموا عن الحق الذى جاءهم به من نُزِّل عليه القرآن، وهو رسول الله ﷺ.
وقال - سبحانه - :﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ بالإِظهار فى مقام الإِضمار، للتأكيد والتوضيح.
والمراد بأكثر الناس : أولئك الذين بلغهم القرآن الكريم، واستمعوا إلى آياته وتوجيهاته وتشريعاته وآدابه، ولكنهم استحبوا الكفر على الإِيمان، وآثروا الضلالة على الهداية.
وعبر - سبحانه - بالأكثر، إنصافاً للقلة المؤمنة التى فتحت صدورها للقرآن، فآمنت به، وعملت بما فيه من أوامر ونواه..
قال الجمل : فإن قيل : كيف جاز قوله ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾ حيث وقع الاستثناء المفرغ فى الإِثبات. مع أنه لا يصح، إذ لا يصح أن تقول : ضربت إلا زبدا.
فالجواب : أن لفظة ﴿أبى﴾ تفيد النفى، فكأنه قيل : فلم يرضوا إلا كفورا.
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت ما يدل على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وعلمه، وفضله على نبيه ﷺ وعلى الناس، وعلى أن هذا القرآن من عند الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.
ثم حكى - سبحانه - بعض المطالب المتعنتة التى طلبها المشركون من النبى ﷺ فقال - تعالى - :﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً...﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى