التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعم الله - سبحانه - على بنى إسرائيل، وعن موقفهم منها، وأمرت النبي - ﷺ - أن يتمسك بالشريعة التي أنزلها الله - سبحانه - عليه.. فقال :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بني إِسْرَائِيلَ... وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
والمراد بإسرائيل : يعقوب عليه السلام - وببنيه : ذريته من بعده. والمراد بالكتاب : التوراة - أو جنس الكتاب فيشمل التوراة والإِنجيل والزبور.
أي : والله لقد أعطينا بنى إسرائيل ﴿الكتاب﴾ ليكون هداية لهم، وآتيناهم - أيضا - ﴿والحكم﴾ أي : الفقه والفهم للأحكام حتى يتمكنوا من القضاء بين الناس، وأعطيناهم كذلك ﴿النبوة﴾ بأن جعلنا عددا كبيرا من الأنبياء فيهم ومنهم.
وهكذا منحهم - سبحانه - نعما عظمى تتعلق بدينهم، أما النعم التي تتعلق بدنياهم فقد بينها - سبحانه - في قوله :﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات﴾ أي : ورزقناهم من المطاعم والمشارب الطيبات التي جعلناها حلالا لهم.
وقوله :﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين﴾ بيان لنعمة أخرى. وللمفسرين في معنى هذه الجملة اتجاهان : أحدهما : أن المقصود بها فضلناهم على العالمين بأمور معينة حيث جعلنا عددا من الأنبياء منهم، وأنزلنا المن والسلوى عليهم.
قال الآلوسي : قوله :﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين﴾ حيث آتيناهم ما لم نؤت غيرهم من فلق البحر، وإظلال الغمام، ونظائرهما، فالمراد تفضيلهم على العالمين مطلقا من بعض الوجوه، لا من كلها ولا من جهة المرتبة والثواب فلا ينافي ذلك تفضيل أمة محمد - ﷺ - عليهم من وجه آخر، ومن جهة المرتبة والثواب.
والثاني : أن المقصود بها : فضلناهم على عالمي زمانهم.
قال الإِمام الرازي، ما ملخصه : فإن قيل إن تفضيلهم على العالمين، يقتضي تفضيلهم على أمة - محمد - ﷺ - وهذا باطل، فكيف الجواب ؟
قلنا : الجواب من وجه أقربها إلى الصواب أن المراد : فضلتكم على عالمي زمانكم، وذلك لأن الشخص الذى سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود، لم يكن من جملة العالمين حال عدمه، وأمة محمد - ﷺ - لم تكن موجودة في ذلك الوقت، فلا يلزم من كون بني إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت، أنهم أفضل من الأمة الإِسلامية.
وقال الشيخ الشنقيطي ما ملخصه : قوله - تعالى - :﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين﴾.
ذكر - سبحانه - في هذه الآية أنه فضل بني إسرائيل على العالمين، كما ذكر ذلك في آيات أخرى.. ولكن الله - تعالى - بين أن أمة محمد - ﷺ - خير من بني إسرائيل، وأكرم على الله، كما صرح بذلك في قوله :﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ فخير صيغة تفضيل، والآية نص صريح في أنهم خير من جميع الأمم، بني إسرائيل وغيرهم.
ويؤيد ذلك من حديث معاوية بن حيدة القشيري، " أن النبي - ﷺ - قال في أمته : أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله "، وقد رواه عنه الإِمام أحمد والترمذى وابن ماجه والحاكم وهو حديث مشهور.
واعلم أن ما ذكرنا من كون الأمة الإِسلامية أفضل من بني إسرائيل وغيرهم لا يعارض ما ورد من آيات في تفضيل بني إسرائيل.
لأن ذلك التفضيل الوارد في بني إسرائيل، ذكر فيهم حال عدم وجود أمة محمد - ﷺ - والمعلوم في حال عدمه ليس بشيء حتى يفضل على غيره، أو يفضل غيره عليه.
ولكنه - تعالى - بعد وجود الأمة الإِسلامية صرح بأنها خير الأمم، فثبت أن كل ما جاء في القرآن من تفضيل بني إسرائيل، إنما يراد به ذكر أحوال سابقة.
وهذا الاتجاه الثاني هو الذي نرجحه، لأن المقصود بالآية الكريمة وأمثالها تذكير بني إسرائيل المعاصرين للنبي - ﷺ - بنعم الله عليهم وعلى آبائهم، حتى يشكروه عليها.
ومن مظاهر هذا الشكر - بل على رأسه - إيمانهم بما جاءهم به النبي - ﷺ -. ولكن بني إسرائيل لم يقابوا تلك النعم بالشكر، بل قابلوا بالجحود والحسد للنبي - ﷺ - على ما آتاه الله - تعالى - من فضله، فكانت نتيجة ذلك أن لعنهم الله وغضب عليهم، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت.
ولقد سبق أن قلنا عند تفسيرنا لقوله - تعالى - في سورة البقرة :﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾ والعبرة التي نستخلصها من هذه الآية وأمثالها : أن الله - تعالى - فضل بني إسرائيل على غيرهم من الأمم السابقة على الأمة الإِسلامية، ومنحهم الكثير من النعم ولكنهم لم يقابلوا ذلك بالشكر.. فسلب الله عنهم ما حباهم به من نعم. ووصفهم فى كتابه بنقض العهد، وقسوة القلب.
وهذا مصير كل أمة بدلت نعمة الله كفرا، لأن الميزان عند الله للتقوى والفعل الصالح، وليس للجنس أو اللون أو النسب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى