فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
﴿ثُمَّ جعلناك على شَرِيعَةٍ مّنَ الأمر﴾ الشريعة في اللغة : المذهب. والملة، والمنهاج، ويقال : لمشرعة الماء وهي مورد شاربيه شريعة، ومنه الشارع ؛ لأنه طريق إلى المقصد، فالمراد بالشريعة هنا : ما شرعه الله لعباده من الدين، والجمع شرائع، أي جعلناك يا محمد على منهاج واضح من أمر الدين يوصلك إلى الحق ﴿فاتبعها﴾ : فاعمل بأحكامها في أمتك ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ توحيد الله وشرائعه لعباده، وهم كفار قريش ومن وافقهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿ثُمَّ جعلناك على شَرِيعَةٍ مّنَ الأمر﴾ يقول : على هدًى من أمر دينه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله :﴿سَوَاء محياهم ومماتهم﴾ قال : المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة كافر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله :﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ قال : ذاك الكافر اتخذ دينه بغير هدًى من الله، ولا برهان ﴿وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ﴾ يقول : أضله في سابق علمه. وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه قال : كان الرّجل من العرب يعبد الحجر، فإذا وجد أحسن منه أخذه وألقى الآخر، فأنزل الله :﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة قال : كان أهل الجاهلية يقولون : إنما يهلكنا الليل والنهار، فقال الله في كتابه :﴿وَقَالُواْ مَا هِي إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر﴾ قال الله : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة سمعت رسول الله يقول :«قال الله عزّ وجلّ : يؤذيني ابن آدم يسبّ الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار».