التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي
عن الكتاب
تفسير سورة الجاثية
من آيات الله الدالة عليه
تكرر في القرآن الكريم إيراد الأدلة الدالة على وجود الله تعالى، ومن أدل الأدلة والبراهين: إبداع السماوات والأرضين، وخلق الإنسان والحيوان، واختلاف الليل والنهار وتعاقبهما، وإنزال المطر سبب الرزق، وتقليب الرياح في الجهات الأربع، فمن أراد أن يؤمن كفاه ذلك، ومن عاند واستكبر، فلا يجد بعد بيان الله وآياته وهو القرآن، ما يرشده إلى الإيمان بربه، وهذا ما نجده بيّنا في الآيات الآتية، في مطلع سورة الجاثية:
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)
«١» «٢» «٣» [الجاثية: ٤٥/ ١- ٦].
افتتحت السورة (الجاثية) المكية بالاتفاق بالحروف المقطّعة، للتنبيه لما يأتي بعدها، ولتحدي العرب بالإتيان بمثل آيات القرآن، ثم أخبر الله تعالى: بأن هذا القرآن تنزيل قاطع من الله القوي الغالب الذي لا يقهر، المحكم للأشياء. فقوله تعالى:
الْعَزِيزِ معناه عام في شدة أخذه إذا انتقم، ودفاعه إذا حمى ونصر، وغير ذلك.
من آيات الله الدالة عليه
تكرر في القرآن الكريم إيراد الأدلة الدالة على وجود الله تعالى، ومن أدل الأدلة والبراهين: إبداع السماوات والأرضين، وخلق الإنسان والحيوان، واختلاف الليل والنهار وتعاقبهما، وإنزال المطر سبب الرزق، وتقليب الرياح في الجهات الأربع، فمن أراد أن يؤمن كفاه ذلك، ومن عاند واستكبر، فلا يجد بعد بيان الله وآياته وهو القرآن، ما يرشده إلى الإيمان بربه، وهذا ما نجده بيّنا في الآيات الآتية، في مطلع سورة الجاثية:
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)
«١» «٢» «٣» [الجاثية: ٤٥/ ١- ٦].
افتتحت السورة (الجاثية) المكية بالاتفاق بالحروف المقطّعة، للتنبيه لما يأتي بعدها، ولتحدي العرب بالإتيان بمثل آيات القرآن، ثم أخبر الله تعالى: بأن هذا القرآن تنزيل قاطع من الله القوي الغالب الذي لا يقهر، المحكم للأشياء. فقوله تعالى:
الْعَزِيزِ معناه عام في شدة أخذه إذا انتقم، ودفاعه إذا حمى ونصر، وغير ذلك.
(١) تنزيل: إما مبتدأ أو خبر مبتدأ مضمر.
(٢) ينشر ويفرّق في الأرض. والدابة: كل حيوان يدبّ في الأرض أو البحر أو الجو، فيشمل الطير والسمك.
(٣) تقليبها وتحويلها.
(٢) ينشر ويفرّق في الأرض. والدابة: كل حيوان يدبّ في الأرض أو البحر أو الجو، فيشمل الطير والسمك.
(٣) تقليبها وتحويلها.
ومقتضيات العزة والحكمة: إن في خلق السماوات وخلق الأرض، لأدلة قاطعة على وجود الله، ووحدانيته، وقدرته الباهرة. وقد ذكر تعالى الأدلة أو الآيات التي في السماوات والأرض مجملة غير مفصلة، فكأنها إحالة على غوامض تثيرها الأفكار، ويخبر الشرع بكثير منها، والذي يستفيد من دلالات هذه الآيات: هم المؤمنون، الذين يعتمدون على العقل الصحيح، والتصديق الواقعي. وهذا دليل من الكون.
ثم ذكر الله تعالى دليلا من الأنفس، ففي خلقكم أيها البشر من غير وجود سابق، سواء من تراب، أو من طريق التزاوج، وما ينشر في الأرض والبحر والجو من الدواب المختلفة: آيات دالة على وجود الله وتوحيده، لقوم يوقنون، لهم نظر صحيح، يؤديهم إلى اليقين في معتقداتهم، والاطمئنان في قلوبهم.
وكذلك في اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما بالنور والظلام، وتفاوتهما في الطول والقصر، والحرارة والبرودة، والضياء والظلمة، وفيما أنزل الله من السحاب، من مطر يتسبب في رزق الأنفس وإحياء الأرض بالنبات والزرع، وفي تقليب الرياح وتغييرها من جهة إلى جهة، ومن حال إلى حال، جنوبا وشمالا، شرقا وغربا، برودة وحرا، ضررا ونفعا، لينا وشدة، في كل ذلك دلالات عظيمة على وجود الله سبحانه، ووحدانيته وقدرته التي ينتفع بها عادة أهل العقول الراجحة، ويتأمل بها ذوو الأفكار المتفحصون فيها وفي حقائقها. والرياح جمعا: هي المبشّرات بالخير، والريح بالمفرد: هي المنذرة بالعذاب.
والعبرة من كل ذلك أوجزها الله تعالى بقوله: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ أي هذه الدلائل المذكورة من الآيات الكونية والقرآنية، هي حجج الله وبراهينه وبيناته، نتلوها عليك أيها النبي، متضمنة الحق المبين، وهذا على حذف مضاف، أي نتلو شأنها وتفسيرها وشرح العبرة بها. وقوله تعالى نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ معناه بالصدق
ثم ذكر الله تعالى دليلا من الأنفس، ففي خلقكم أيها البشر من غير وجود سابق، سواء من تراب، أو من طريق التزاوج، وما ينشر في الأرض والبحر والجو من الدواب المختلفة: آيات دالة على وجود الله وتوحيده، لقوم يوقنون، لهم نظر صحيح، يؤديهم إلى اليقين في معتقداتهم، والاطمئنان في قلوبهم.
وكذلك في اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما بالنور والظلام، وتفاوتهما في الطول والقصر، والحرارة والبرودة، والضياء والظلمة، وفيما أنزل الله من السحاب، من مطر يتسبب في رزق الأنفس وإحياء الأرض بالنبات والزرع، وفي تقليب الرياح وتغييرها من جهة إلى جهة، ومن حال إلى حال، جنوبا وشمالا، شرقا وغربا، برودة وحرا، ضررا ونفعا، لينا وشدة، في كل ذلك دلالات عظيمة على وجود الله سبحانه، ووحدانيته وقدرته التي ينتفع بها عادة أهل العقول الراجحة، ويتأمل بها ذوو الأفكار المتفحصون فيها وفي حقائقها. والرياح جمعا: هي المبشّرات بالخير، والريح بالمفرد: هي المنذرة بالعذاب.
والعبرة من كل ذلك أوجزها الله تعالى بقوله: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ أي هذه الدلائل المذكورة من الآيات الكونية والقرآنية، هي حجج الله وبراهينه وبيناته، نتلوها عليك أيها النبي، متضمنة الحق المبين، وهذا على حذف مضاف، أي نتلو شأنها وتفسيرها وشرح العبرة بها. وقوله تعالى نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ معناه بالصدق
والاعلام بحقائق الأمور في أنفسها، ليستفيد منها البشر قاطبة، فبأي بيان أو كلام يا أهل مكة وأمثالكم بعد بيان الله وكلامه، وتفصيل آياته، وهو القرآن الكريم، تؤمنون أو تصدقون؟! والتعبير بكلمة (تلك) إشارة إلى علو مرتبة الآيات، وفي هذا توبيخ وتقريع، وفيه قوة التهديد.
ويلاحظ أن أدلة إثبات وجود الله ووحدانيته، ذيلت فيها آي القرآن بعبارة لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ولِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ لإفادة التلازم بين الإيمان الذي هو التصديق، واليقين الذي هو كمال الاقتناع، والعقل الذي هو إعمال الفكر الصحيح، وهذه كلّها ضروريات للمعرفة وتكوين العقيدة، لأنه في ضمن الإيمان العقل، واليقين، والتصديق. ويتوقف الاعتقاد على كل من العقل، وتيقن الشيء، ثم التصديق التام به الذي لا يخالطه أي شبهة أو شك، ولا يصح إيمان من دون هذه الأمور الثلاثة، التي ينبغي استعمال كل منها في موضعه، فيبتدئ المفكر من العقل أو القلب الواعي، ثم ينتقل بالدليل القطعي إلى اليقين، ثم يتحقق التصديق النهائي بالمعتقد الصحيح.
وعيد المكذبين بآيات الله
حينما لا تجدي الكلمة المخلصة، والموعظة البالغة، ويصرّ الإنسان على موقف الضلال والعناد، لا يبقى بعد ذلك إلا التهديد والوعيد بالجزاء الحاسم، وهكذا كانت توجيهات القرآن الكريم، مع المشركين المكيين وقت نزول الوحي، لم يترك القرآن وسيلة لتذكيرهم، وإقناعهم بالبراهين الحسية القاطعة على توحيد الله تعالى إلا سلكها معهم، ومع ذلك آثروا الشقاق والخلاف والمعارضة، والإبقاء على عقيدة الوثنية، وتكذيب الرسول صلّى الله عليه وسلّم وبما أنزل عليه من الآيات البينات، فاستحقوا الوعيد
ويلاحظ أن أدلة إثبات وجود الله ووحدانيته، ذيلت فيها آي القرآن بعبارة لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ولِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ لإفادة التلازم بين الإيمان الذي هو التصديق، واليقين الذي هو كمال الاقتناع، والعقل الذي هو إعمال الفكر الصحيح، وهذه كلّها ضروريات للمعرفة وتكوين العقيدة، لأنه في ضمن الإيمان العقل، واليقين، والتصديق. ويتوقف الاعتقاد على كل من العقل، وتيقن الشيء، ثم التصديق التام به الذي لا يخالطه أي شبهة أو شك، ولا يصح إيمان من دون هذه الأمور الثلاثة، التي ينبغي استعمال كل منها في موضعه، فيبتدئ المفكر من العقل أو القلب الواعي، ثم ينتقل بالدليل القطعي إلى اليقين، ثم يتحقق التصديق النهائي بالمعتقد الصحيح.
وعيد المكذبين بآيات الله
حينما لا تجدي الكلمة المخلصة، والموعظة البالغة، ويصرّ الإنسان على موقف الضلال والعناد، لا يبقى بعد ذلك إلا التهديد والوعيد بالجزاء الحاسم، وهكذا كانت توجيهات القرآن الكريم، مع المشركين المكيين وقت نزول الوحي، لم يترك القرآن وسيلة لتذكيرهم، وإقناعهم بالبراهين الحسية القاطعة على توحيد الله تعالى إلا سلكها معهم، ومع ذلك آثروا الشقاق والخلاف والمعارضة، والإبقاء على عقيدة الوثنية، وتكذيب الرسول صلّى الله عليه وسلّم وبما أنزل عليه من الآيات البينات، فاستحقوا الوعيد