التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أقوالهم الباطلة فقال :﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾.
أي : وقال هؤلاء المشركون على سبيل الجهل والعناد والجحود للحق، ما الحياة إلا هذه الحياة الدنيوية التي نحياها فيها، وليس هناك حياة سواها، فنحن نموت ثم يحيا أولادنا من بعدنا أو يموت بعضنا ويحيا البعض الآخر إلى زمن معين، أو نكون أمواتا فى أصلاب آبائنا، ثم نحيا بعد ذلك عند الولادة.
﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ﴾ عند انتهاء آجالنا ﴿إِلاَّ الدهر﴾ أي : إلا مرور الزمان، وكر الأعوام وتقلب الشهور والأيام.
قال ابن كثير ما ملخصه " يخبر - تعالى - عن قول الدهرية من الكفار، ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد :﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي : ما ثَمَّ إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثَمَّ معاد ولا قيامة..
ولهذا قالوا :﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ - أي : إلا مرور الأيام والليالي - فكابروا المعقول وكذبوا المنقول...
وفي الحديث الصحيح - الذي رواه الشيخان وغيرهما - عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال : " يقول الله - تعالى - : يؤذينى ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب ليله ونهاره ".
والمقصود من هذا الحديث النهي عن سب الدهر، لأن الله - تعالى - هو الخالق له، فمن يسب الدهر، فكأنما سب الله - تعالى - لأنه - سبحانه - هو الذي يقلب الليالي والأيام.
وقد كان العرب في الجاهلية إذا ما أصابتهم شدة أو نكبة، قالوا : يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال والمصائب إلى الدهر ويسبونه.
وقوله - تعالى - :﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ رد عليهم فيما قالوه من أقوال باطلة تتعلق بإنكارهم للبعث والحساب.
أي : وليس لهم فيما زعموه من إنكارهم للبعث من علم مستند إلى نقل أو عقل، إن هم إلا يظنون ظنا مبنيا على الوهم والضلال.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى