الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿إِنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ : العامَّةُ على كسرِ الهمزةِ : لأنها مَحْكِيَّةٌ بالقولِ. والأعرج وعمرو بن فائد بفتحها. وذلك مُخَرَّجٌ على لغة سُلَيْمٍ : يُجْرُون القولَ مُجْرى الظنِّ مطلقاً. وفيه قولُه :
٤٠٣٦ إذا قلتُ أنِّي آيِبٌ أهلَ بلدةٍ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله :" والساعةُ " قرأ حمزة بنصبِها عطفاً على " وعدَ الله ". والباقون برفعها، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ : الابتداءُ وما بعدها من الجملةِ المنفيَّة خبرُها. الثاني : العطفُ على محلِّ اسم " إنَّ " لأنَّه قبل دخولِها مرفوعٌ بالابتداءِ. الثالث : أنه عطفٌ على محلِّ " إنَّ " واسمِها معاً ؛ لأنَّ بعضَهم كالفارسيِّ والزمخشريِّ يَرَوْنَ أنَّ ل " إنَّ " واسمِها موضعاً، وهو الرفعُ بالابتداء.
قوله :" إلاَّ ظَنَّاً " هذه الآيةُ لا بُدَّ فيها مِنْ تأويلٍ : وذلك أنه يجوزُ تفريغُ العاملِ لِما بعده مِنْ جميعِ معمولاته، مرفوعاً كان أو غيرَ مرفوعٍ، إلاَّ المفعولَ المطلقَ فإنه لا يُفَرَّغُ له. لا يجوزُ " ما ضَرَبْتَ إلاَّ ضَرْباً " كأنه لا فائدةَ فيه ؛ وذلك أنه بمنزلةِ تكريرِ الفعلِ فكأنَّه في قوةِ " ما ضرَبْتُ إلاَّ ضرَبْتُ ". وكانَتْ هذه العلةُ خَطَرَتْ لي حتى رأيتُ مكِّياً وأبا البقاءِ نَحَوا إليها فللَّه الحمدُ.
وقال الزمخشري :" فإنْ قلتَ : ما معنى " إنْ نَظُنُّ إلاَّ ظَنًّا " ؟ قلت : أصلُه نَظُنُّ ظنًّا. ومعناه إثباتُ الظنِّ فحسب. فأَدْخَلَ حرفَ النفي والاستثناءَ ليُفادَ إثباتُ الظنِّ ونفيُ ما سواه ؛ وزِيدَ نَفْيُ ما سوى الظنِّ توكيداً بقولِه :﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾. فظاهرُ كلامِه أنه لا يَتَأَوَّلُ الآيةَ بل حَمَلها على ظاهرِها ؛ ولذلك قال الشيخ :" وهذا كلامُ مَنْ لا شعورَ له بالقاعدةِ النحوية : مِنْ أنَّ التفريغَ يكونُ في جميع المعمولاتِ مِنْ فاعلٍ ومفعولٍ وغيرِهما إلاَّ المصدرَ المؤكِّدَ فإنه لا يكونُ فيه ".
وقد اختلفَ الناسُ في تأويلِها على أوجهٍ، أحدُها : ما قاله المبردُ وهو : أنَّ الأصلَ : إنْ نحن إلاَّ نظنُّ ظنَّاً. قال :" ونظيرُه ما حكاه أبو عمروٍ " ليس الطِّيْبُ إلاَّ المِسْكُ " تقديرُه : ليس إلاَّ الطيبُ المسكُ " قلتُ : يعني أن اسمَ " ليس " ضميرُ الشأنِ مستترٌ فيها، وإلاَّ الطيبُ المسكُ في محل نصب خبرُها، وكأنه خَفِيَ عليه أنَّ لغةَ تميمٍ إبطالُ عملِ " ليس " إذا انتقض نفيُها ب " إلاَّ " قياساً على " ما " الحجازيةِ، والمسألةُ طويلةٌ مذكورةٌ في كتابي " شرح التسهيل " وعليها حكايةٌ جَرَتْ بين أبي عمروٍ وعيسى بن عمر. الثاني : أنَّ " ظنَّاً " له صفةٌ محذوفةٌ تقديره : إلاَّ ظناً بَيِّناً، فهو مختصٌّ لا مؤكِّد. الثالث : أَنْ يُضَمَّنَ " نظنُّ " معنى نَعْتقد، فينتصِبَ " ظَنَّاً " مفعولاً به لا مصدراً. الرابع : أنَّ الأصلَ : إنْ نظنُّ إلاَّ أنكم تظنون ظنَّاً، فحذف هذا كلَّه، وهو مَعْزُوٌّ للمبردِ أيضاً. وقد رَدُّوه عليه : من حيثُ إنَّه حَذَفَ أنَّ واسمَها وخبرَها وأبقى المصدرَ. وهذا لا يجوزُ. الخامس : أنَّ الظنَّ يكونُ بمعنى العِلْمِ والشكِّ فاستثنى الشكَّ كأنه قيل : ما لنا اعتقادٌ إلاَّ الشكَّ. ومثلُ الآية قولُ الأعشى :
٤٠٣٧ وحَلَّ به الشَّيْبُ أثقالَهوما اعْتَرَّه الشيبُ إلاَّ اعْتِرارا
يريد اعْتِراراً بَيِّناً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى