الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ﴾ : فيه وجهان، أظهرهما : أنه معطوفٌ على " خَلْقِكم " المجرورِ ب " في " والتقديرُ : وفي ما يَبُثُّ. والثاني : أنه معطوفٌ على الضميرِ المخفوضِ بالخَلْق، وذلك على مذهبِ مَنْ يرى العطفَ على الضميرِ المجرورِ دونَ إعادةِ الجارِّ واستقبحه الزمخشريُّ وإنْ أُكِّد نحو :" مررتُ بك أنت وزيدٍ " يُشير بذلك إلى مذهب الجرميِّ فإنَّه يقول : إن أُكِّد جازَ، وإلاَّ فلا، فقولُه مذهبٌ ثالثٌ.
قوله :﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ و ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ قرأ " آياتٍ " بالكسر في الموضعَيْن الأخوَان، والباقون برفعهما. ولا خلافَ في كسرِ الأولى لأنها اسمُ " إنَّ ". فأمَّا ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بالكسر فيجوزُ فيها وجهان، أحدهما : أنها معطوفةٌ على اسم " إنَّ "، والخبرُ قولُه :" وفي خَلْقِكم ". كأنه قيل : وإنَّ في خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِنْ دابة آياتٍ. والثاني : أَنْ تكونَ كُرِّرَتْ تأكيداً لآيات الأُولى، ويكونُ " في خَلْقكم " معطوفاً على " في السماوات " كُرِّر معه حرفُ الجَرِّ توكيداً. ونظيرُه أَنْ تقولَ :" إنَّ في بيتك زيداً وفي السوق زيداً " فزيداً الثاني تأكيدٌ للأول، كأنك قلت : إنَّ زيداً زيداً في بيتك وفي السوق وليس في هذه عطفٌ على معمولَيْ عاملَيْن البتةَ.
وقد وَهِم أبو البقاء فجعلها مِنْ ذلك فقال :﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ يُقرأ بكسر التاءِ، وفيه وجهان، أحدهما : أنَّ " إنَّ " مضمرةٌ حُذِفَتْ لدلالة " إنَّ " الأُولى عليها، وليسَتْ " آيات " معطوفةً على " آيات " الأولى لِما فيه من العطفِ على معمولَيْ عامليْن. والثاني : أَنْ تكونَ كُرِّرَتْ للتأكيد ؛ لأنها مِنْ لفظ " آيات " الأُوْلى، وإعرابُها كقولِك :" إن بثوبك دماً وبثوبِ زيد دماً " ف " دم " الثاني مكررٌ ؛ لأنَّك مُسْتغنٍ عن ذِكْرِه " انتهى.
فقوله :" وليسَتْ معطوفةً على آياتِ الأولى لِما فيه من العطفِ على عامِلَيْن " وَهَمٌ ؛ أين معمولُ العاملِ الآخر ؟ وكأنه توهَّمَ أنَّ " في " ساقطةٌ مِنْ قولِه :" وفي خَلْقِكم " أو اختلطَتْ عليه ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بهذه ؛ لأنَّ تَيْكَ فيها ما يُوْهِمُ العطفَ على عامِلَيْن وقد ذكره هو أيضاً.
وأمَّا الرفعُ فمِنْ وجهَيْن أيضاً، أحدهما : أَنْ يكونَ " في خَلْقِكم " خبراً مقدَّماً، و " آياتٌ " مبتدأً مؤخراً، وهي جملةٌ معطوفةٌ على جملة مؤكدةٍ ب " إنَّ ". والثاني : أَنْ تكون معطوفةً على " آيات " الأولى باعتبار المحلِّ عند مَنْ يُجيزُ ذلك، لا سيما عند مَنْ يقولُ : إنه يجوز ذلك بعد الخبرِ بإجماعٍ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى