الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿يُصِرُّ﴾ يقبل على كفره ويقيم عليه. وأصله من إصرار الحمار على العانة وهو أن ينحى عليها صارّاً أذنيه. ﴿مُسْتَكْبِراً﴾ عن الإيمان بالآيات والإذعان لما ينطق به من الحق، مزدرياً لها معجباً بما عنده. قيل : نزلت في النضر بن الحرث وما كان يشتري من أحاديث الأعاجم، ويشغل الناس بها عن استماع القرآن. والآية عامّة في كل ما كان مضارّاً لدين الله.
فإن قلت : ما معنى ثم في قوله :﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾ ؟ قلت : كمعناه في قول القائل :
يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها ***
وذلك أنّ غمرات الموت حقيقة بأن ينجو رائيها بنفسه ويطلب الفرار عنها. وأمّا زيارتها والإقدام على مزاولتها فأمر مستبعد، فمعنى ثم : الإيذان بأن فعل المقدم عليها بعدما رآها وعاينها شيء يستعبد في العادات والطباع، وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق، من تليت عليه وسمعها كان مستبعداً في العقول إصراره على الضلالة عندها واستكباره عن الإيمان بها ﴿كَأَن﴾ مخففة، والأصل كأنه لم يسمعها : والضمير ضمير الشأن، كما في قوله :
كَأَنْ ظَبْيَةً تعطو إِلَى نَاضِرِ السَّلَمْ ***
ومحل الجملة النصب على الحال. أي : يصر مثل غير السامع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى