الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿لِّيَعْلَمَ﴾ : متعلقٌ ب " يَسْلُكُ ". والعامَّةُ على بنائه للفاعلِ. وفيه خلافٌ أي : لِيَعْلَمَ محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم. وقيل : لِيَعْلَمَ أي : ليَظْهَرَ عِلْمُه للناس. وقيل : ليَعْلَمَ إبليسُ. وقيل : ليَعْلَمَ المشركون. وقيل : لِيَعْلَمَ الملائكةُ، وهما ضعيفان لإِفرادِ الضميرِ. والضميرُ في " أَبْلَغُوا " عائدٌ على " مَنْ " مِنْ قولِه :" مَنْ ارتَضَى " راعى لفظَها أولاً، فأفردَ في قولِه :﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾، ومعناها ثانياً فَجَمَعَ في قولِه :" أَبْلَغُوا " إلى آخرِه.
وقرأ ابنُ عباس وزيدُ علي " لِيُعْلَمَ " مبنياً للمفعول. وقرأ ابن أبي عبلةَ والزُّهْري " لِيُعْلِمَ " بضمِّ الياءِ وكسرِ اللامِ أي : لِيُعْلِمَ اللَّهُ ورسولُه بذلك. وقرأ أبو حيوة " رسالة " بالإِفرادِ، والمرادُ الجمعُ. وابن أبي عبلة " وأُحِيْط وأُحْصِيَ " مبنيين للمفعول، " كلُّ " رفعٌ بأُحْصِي.
قوله :﴿عَدَداً﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ تمييزاً منقولاً من المفعولِ به. والأصل : أحصى عددَ كلِّ شيءٍ كقولِه تعالى :
﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً﴾ [القمر: ١٢] أي : عيونَ الأرض، على خلافٍ سَبَقَ في ذلك. ويجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً على المصدرِ من المعنى ؛ لأنَّ " أحصَى " بمعنى عَدَّ، فكأنه قيل : وعَدَّ كلَّ الفعل، والفعلُ إلى المصدر. ومَنَعَ مكي كونَه مصدراً للإِظهار فقال :" عَدَداً " نَصْبٌ على البيانِ، ولو كان مصدراً لأدغم " قلت : يعني : أنَّ قياسَه أَنْ يكونَ على فَعْل بسكونِ العين، لكنه غيرُ لازمٍ فجاء مصدرُه بفتح العين. ولمَّا كان " لِيَعْلَمَ " مضمَّناً معنى : قد عَلِمَ ذلك، جازَ عَطْفُ " وأحاط " على ذلك المقدَّرِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى