الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾ : في الفاءِ وجهان أحدُهما : أنها داخلةٌ لِما تَضَمَّنه الاسمُ مِنْ معنى الشرطِ، وحُكْمُ الموصوفِ بالموصول حكمُ الموصولِ في ذلك. والثاني : أنَّها مزيدةٌ مَحْضَةٌ لا للتضمين المذكور. وأفسدَ هؤلاء القولَ الأول بوجهَيْن، أحدُهما أنَّ ذلك إنَّما يجوز إذا كان المبتدأُ أو اسمُ " إنَّ " موصولاً، واسمُ " إنَّ " هنا ليس بموصولٍ، بل موصوفٌ بالموصول. والثاني : أنَّ الفِرارَ مِنْ الموتِ لا يُنْجَي منه، فلم يُشْبِهِ الشرطَ، يعنى أنه متحققٌ فلم يُشْبه الشرطَ الذي هو مِنْ شأنِه الاحتمالُ.
وأُجيب عن الأول : بأنَّ الموصوفَ مع صفتِه كالشيءِ الواحدِ، ولأن " الذي " لا يكونَ إلاَّ صفةً. فإذا لم يُذْكَرِ الموصوفُ دخلَتِ الفاءُ، والموصوفُ مرادٌ، فكذلك إذا صَرَّح بها. وعن الثاني : بأنَّ خَلْقاً كثيراً يَظُنُّونَ أنَّ الفِرارَ مِنْ أسبابِ الموتِ يُنَجِّيهم إلى وقتٍ آخر. وجوزَّ مكي أَنْ يكونَ الخبرُ قولَه ﴿الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾، وتكون الفاءُ جوابَ الجملة. قال :" كما تقول : زيدٌ منطلقٌ فقُمْ إليه " وفيه نظر ؛ لأنه لا تَرَتُّبَ بين قولِه :﴿إِنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ وبين قولِه :﴿فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾ فليس نظيراً لِما مَثَّله.
وقرأ زيد بن علي " إنه " دونَ فاء وفيها أوجه، أحدُها : أنَّه مستأنفٌ، وحينئذٍ يكونُ الخبرُ نفسَ الموصولِ كأنه قيلَ : إنَّ الموتَ هو الشيءُ الذي تَفِرُّونَ منه، قاله الزمخشري. الثاني : أنَّ الخبرَ الجملةُ :" إنَّه مُلاقيكم ". وحينئذٍ يكونُ الموصولُ نعتاً للموت. الثالث : أَنْ يكونَ " إنَّه " تأكيداً ؛ لأنَّ الموتَ لَمَّا طال الكلامُ أُكِّدَ الحرفُ توكيداً لفظيَّاً، وقد عَرَفْتَ أنه لا يُؤَكَّدُ كذلك إلاَّ بإعادةِ ما دَخَلَ عليه. أو بإعادةِ ضميرِه، فأُكِّد بإعادةِ ضمير ما دَخَلَتْ عليه " إنَّ " وحينئذٍ يكون الموصولُ نعتاً للموتِ، و " مُلاقِيكم " خبرُه كأنه قيل : إنَّ الموتَ إنَّه مُلاقيكم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى