نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي

عن الكتاب
ولما كان القصد إعلامهم بالبراءة منهم من كل وجه، وأنه لا يبالي بهم بوجه ؛ لأنه محفوظ منهم، قال مؤذناً بصدق خبره تعالى آخر الكوثر من حيث إنه مع الجزم بالمنابذة لا يستطيعون له نوع مكابدة نافذة، بادئاً بالبراءة من جهته ؛ لأنها الأهم :﴿لا أعبد﴾ أي الآن، ولا في مستقبل الزمان ؛ لأن ﴿لا﴾ للمستقبل، و ﴿ما﴾ للحال، كذا قالوا، وظاهر عبارة سيبويه في قوله :﴿لن﴾ نفي لقوله ﴿سيفعل﴾، ﴿ولا﴾ لقوله :﴿يفعل﴾، ولم يقع : أنها تقع للمضارع الذي لم يقع سواء كان في غاية القرب من الحال أم لا، كما نقلته عنه في أول البقرة عند﴿ولن تفعلوا﴾[البقرة: ٢٤] على أن نطقنا بهذا الكلام لا يكاد يتحقق حتى يمضي زمن فيصير مستقبلاً، فلذا عبر ب " لا " دون " ما " بشارة بأنه سبحانه يثبته على الصراط المستقيم، ولا يظفرهم به، علماً من أعلام النبوة.
ولما كان في معبوداتهم ما لا يعقل، وكان المقصود تحقير كل ما عبدوه سوى الله، عبر ب " ما " فقال :﴿ما تعبدون﴾ أي الآن، وفي آتي الزمان من دون الله من المعبودات الظاهرة والباطنة بوجه من وجوه العبادة في سر ولا علن ؛ لأنه لا يصلح للعبادة بوجه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى